عاجل

23 مليون كلب ضال.. أزمة تهدد شوارع مصر والحلول غائبة | (ملف خاص)

الكلاب الضالة أزمة
الكلاب الضالة أزمة تؤرق المواطنين

أصبحت الكلاب الضالة من أبرز الأزمات في مصر خلال الفترة الأخيرة، في ظل تزايد أعداد الحوادث، حيث تؤكد التقارير أن هناك 10 آلاف حالة على الأقل سنويًا تعرضت للعقر، غالبتها للأطفال، فيما تُشير حيث الأعداد الرسمية إلى وجود حوالي 1.5 مليون كلب شارع في المدن الكبرى فقط، ما يُنذر بتفاقم الأزمة.

وفي الوقت الذي تُشير فيه الأرقام الرسمية إلى وجود حوالي 10 ملايين كلب ضال، يؤكد خبراء أن عدد كلاب الشوارع يتخطى الـ20 مليون مع تزايد كبير في عدد حالات العقر التي تتجاوز الـ400 ألف حالة سنويًا، الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة حول خطة الدولة للسيطرة على هذه الظاهرة وحماية المواطنين.

القاهرة وبورسعيد يتحركان لمواجهة الأزمة

على الرغم من تزايد حوادث عقر الكلاب الضالة، إلا أن المحافظين لم يتحركوا حتى الآن للبحث عن حلول باستثناء محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر الذي أعلن نهاية ديسمبر الماضي عن تخصيص قطعة أرض في التبين لتكون مأوى متكامل لكلاب الشارع، في خطوة هامة لضمان سلامة المواطنين والرفق بالحيوان.

وسار محافظ بورسعيد، اللواء محب حبشي على درب محافظ القاهرة، وأعلن عن خطة مواجهة الكلاب الضالة، حيث صدق على تخصيص قطعة أرض لإقامة مأوى للكلاب في مدينة بور فؤاد بمساحة 5072 متر مربع، بجانب قطعة أخرى في منطقة القابوطي الجديد بمساحة 3030 متر لإنشاء مأوى آخر.

يفتح موقع "نيوز رووم" هذا الملف الشائك، ويستعرض آراء خبراء الطب البيطري وجمعيات الرفق بالحيوان والتنمية المحلية والبرلمانيين حول ظاهرة انتشار الكلاب الضالة، وكيفية معالجتها، وهل يمكن تعميم فكرة أراضي الإيواء في جميع محافظات الجمهورية.

ماذا فعل المحافظون في أزمة الكلاب الضالة؟

أرجع الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والبلدية واستشاري تطوير المناطق العشوائية، أزمة الكلاب الضالة إلى سوء إدارة الأغلبية من قيادات الإدارة المحلية سواء بعض المحافظين أو بعض السكرتيرين ومديري الزراعة والري والطب البيطري، مستثنيًا محافظي القاهرة وبورسعيد.

وطالب خبير التنمية المحلية في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، بضرورة الرقابة على المسؤولين والإطاحة بالمقصرين، مقترحًا أن تتكفل شركة خاصة بالتعامل ورعاية الكلاب الضالة، وذلك في حالة عجز المحافظين إداريًا عن حل هذا الملف.

وتابع: "على أن يقوم كل محافظ بعمل لجنة لمكافحة الكلاب، وذلك لعدم وجود خطة قومية محددة بجدول زمني من قبل المحافظين، وتتكون اللجنة من ممثلين لكل من؛ مديرية بالمحافظة "الصحة، الطب البيطري، إدارات النظافة، الزراعة، رؤساء الأحياء" وجمعيات الرفق بالحيوان".

الدكتور حمدي عرفة
الدكتور حمدي عرفة

أرض الإيواء ليست الحل

من جانبها، أكدت منى خليل رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، أن أطروحة أرض الإيواء والملاجئ ليست الحل الأمثل للتعامل مع أزمة كلاب الشارع، في ظل غياب الحصر العدد الفعلي للكلاب ما يعني عدم معرفة كم مربعا من الأراضي نحتاجها للإيواء واستيعاب أعداد الكلاب.

وتساءلت في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم": "من أين ستوفر الدولة الأراضي؟، ومن أين ستوفر الموارد المالية المطلوبة لإطعام هذه الكلاب بشكل يومي والإبقاء عليها تحت رقابة بيطرية وإيجاد العمالة المدربة التي يمكن لها أن تتعامل مع هذه الحيوانات؟، وفي كل الأحوال يستلزم تعقيمها حتى لا تتكاثر في أماكن الإيواء".

وترى منى خليل، أن التكلفة على مدى السنوات ستكون أكثر بكثير من التعقيم والتطعيم والإبقاء على الحيوانات في مكانها لأن عمر كلب الشارع قصير، مقترحة أن تقتصر فكرة ملاجئ الإيواء على الحالات المريضة والعاجزة والكلاب التي تحتاج أن تبقى تحت الملاحظة لتحديد سلوكياتها أو التأكد من سلامتها صحيًا فقط.

الدكتورة منى خليل 
الدكتورة منى خليل 

على النقيض، أكد الدكتور أحمد الفولي، الطبيب البيطري، أن توفير مأوى هو الحل الأمثل والأكثر إنسانية لإنهاء أزمة كلاب الشوارع، وأضافت في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم": "ولكن يجب أن يتم ذلك دون التأثير على أي شيء يخص حياتهم".

وأوضح "الفولي" أن التعامل مع كلاب الشوارع يجب أن يتم باحترافية شديدة، مشددًا على أن عمليات التخدير أو التطعيم ضد السعار أو التعقيم يجب أن ينفذها أطباء بيطريون متمرسون لديهم خبرة طويلة في العمليات الجراحية واستخدام التخدير، وذلك من أجل الحفاظ على أرواحهم.

مخاطر صحية بسبب الكلاب الضالة

وأكد الدكتور عبدالسلام عاطف، أستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، أن ملف الكلاب الضالة يُعتبر من أخطر الملفات الصحية المرتبطة مباشرة بالأمن القومي، مشيدًا باهتمام "نيوز رووم" بفتح هذا الملف الشائك، الذي يتجاوز كونه مجرد قضية حقوق حيوان إلى كونه مسألة صحة عامة تهم المجتمع كله.

وأوضح الدكتور عاطف، أن الكلاب الضالة ليست عدوانية بطبيعتها تجاه الإنسان، وأن حالات العقر غالبًا ما تكون رد فعل دفاعي في ظروف محددة، فعلى سبيل المثال، الكلب الجائع أو الذي سبق أن تعرض للإيذاء يكون في حالة تأهب قصوى، وأي حركة مفاجئة قد يفسرها كتهديد مباشر.

وأشار إلى أن السعار يعد من أخطر الأمراض على الإطلاق، وهو مرض قاتل بنسبة 100% عند ظهور الأعراض، مضيفًا: "الجرب مرض جلدي معدٍ وينتقل من الكلاب إلى البشر، بالإضافة إلى الديدان والطفيليات مثل "التوكسوكارا" التي تنتقل عبر براز الكلاب وقد تسبب مضاعفات صحية خطيرة للإنسان".

الدكتور عبدالسلام عاطف
الدكتور عبدالسلام عاطف

واتفقت رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان في الرأي مع أستاذ الطب البيطري، حيث أكدت على المخاطر الصحية العديدة، مشددة في الوقت ذاته، على أن الكلاب ليست المصدر الوحيد أو الرئيسي لنقل مرض السعار، حيث يمكن أن يصيب الأبقار، والحمير، والماعز، والقطط، والأغنام، والجاموس، والجمال.

ونوهت منى خليل إلى وجود مصادر أخطر لنقل السعار، تشمل الذئاب، والنمس المصري "المنتشر في الدلتا والمزارع"، والخفافيش، والفئران، مؤكدة أن هذه الحيوانات أعلى من الكلاب في احتمالية نقل المرض لكنها لا تذكر إعلاميًا، وكأن الكلب هو المتهم الوحيد.

التعقيم الحل لأزمة الكلاب الضالة

وعن حل أزمة الكلاب الضالة، أكدت منى خليل أن التعقيم هو الحل العلمي الوحيد، وشددت على أن نظرية الفراغ البيئي تثبت فشل سياسة الإعدام والتسميم، حيث أن أي منطقة يتم إفراغها من الكلاب سرعان ما تحتلها كلاب من مناطق مجاورة، مضيفةً أن تجربة نصف قرن من التسميم والقتل لم تقلل الأعداد.

ويتفق الدكتور عبدالسلام عاطف في الرأي ذاته، وأشار إلى أن برنامج الإمساك - التعقيم - التطعيم - الإطلاق "TNR" هو الحل العلمي المعترف به عالميًا للحد من انتشار الكلاب الضالة، لكنه يواجه تحديات كبيرة في مصر، أبرزها ارتفاع التكلفة بسبب التخدير والجراحات والمستلزمات الطبية.

وأضاف: "وذلك بالإضافة إلى الصعوبات اللوجستية في الإمساك بالكلاب في المناطق العشوائية، وغياب الاستمرارية حيث تعتمد الجهود الحالية على مبادرات فردية أو جمعيات أهلية، في حين يحتاج البرنامج إلى موازنة دولة وخطة قومية طويلة المدى".

وشدد على أن قتل الكلاب الضالة ليس حلاً علميًا ولا عمليًا، خاصة أنه يؤدي إلى بـ"تأثير الفراغ"، وتحل كلاب أخرى مكان المقتولة غالبًا أكثر شراسة وتحمل أمراضًا جديدة، مضيفًا أن الكلاب الضالة تمثل عنصر توازن بيئي مهم، حيث تتغذى على المخلفات وتحد من انتشار حيوانات ضارة أخرى مثل الثعالب والفئران.

خطة شاملة وتحرك برلماني

في السياق ذاته، يرى النائب توحيد تامر، عضو مجلس النواب، أن ملف الكلاب الضالة من القضايا المتداخلة التي تمس الصحة العامة والأمن المجتمعي، مشيرًا إلى أن التعامل مع الظاهرة يجب ألا يقتصر على حلول وقتية، وإنما من خلال خطة شاملة ومستدامة تعتمد على أسس علمية وتجارب ناجحة طبقتها دول أخرى.

ولفت النائب في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم"، إلى أهمية التنسيق بين الجهات المعنية، سواء المحليات أو وزارات الصحة والزراعة والتنمية المحلية، لوضع آلية واضحة للتعامل مع الظاهرة، مع ضرورة دعم حملات التوعية المجتمعية بكيفية التعامل الآمن مع الحيوانات الضالة، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا.

وأكد النائب توحيد تامر، أن مجلس النواب يولي هذا الملف اهتمامًا متزايدًا، في ضوء البلاغات والشكاوى الواردة من بعض المحافظات، بما يسهم في الوصول إلى حلول عملية تحافظ على سلامة المجتمع.

أرقام صادمة من أزمة الكلاب الضالة

رغم تفاقم أزمة الكلاب الضالة بشكل كبير في الآونة الأخيرة، ولكن هناك غياب للأرقام الرسمية، حيث تتداول بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بأن الأعداد في الشوارع وصلت إلى 40 مليون كلب، وهو الرقم الذي نفته الدكتورة منى خليل، التي أكدت أنه يتم استخدامها عمدًا في حملات تحريض.

وذكرت رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، أن الرقم الرسمي المعلن من وزير الزراعة ورئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية يدور حول 10 ملايين كلب، وهو رقم تم التوصل إليه عبر دراسات إحصائية أجراها أساتذة متخصصون، وعينات من مناطق حضرية وريفية وصحراوية، إضافة نسبة زيادة تقديرية 25%.

فيما يؤكد الدكتور حمدي عرفة هناك 23 مليون كلب ضال في مصر، وهو الرقم الذي يوازي حجم سكان 7 دول عربية، مشددًا على أن هناك 430 ألف مصري يتعرض للعقر من الكلاب سنويًا مع تزايد عدد حالات الوفاة، ما يُنذر بكارثة كبرى.

تم نسخ الرابط