مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تتجدد واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنظومة التعليمية: الغش. فبين حرص الدولة على تكافؤ الفرص، وضغوط الأسر، وتطور وسائل التحايل، تبرز الحاجة إلى إجراءات حاسمة توازن بين الردع والعدالة، وتحمي قيمة الشهادة قبل حماية ورقة الإجابة.
خلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق الغش من محاولات فردية إلى شبكات منظمة تستغل التكنولوجيا الحديثة، ما فرض واقعًا جديدًا يتطلب أدوات أكثر تطورًا. وفي هذا السياق، تبرز مقترحات منع الغش عبر تركيب كاميرات مراقبة داخل اللجان وربطها بكل مديرية تعليمية، بما يضمن المتابعة اللحظية والتدخل السريع عند الحاجة. هذه الخطوة، إن نُفذت بمعايير واضحة تحترم الخصوصية، قد تشكل رادعًا فعالًا وتعيد الانضباط للجان.
إلى جانب ذلك، يُطرح انتشار سيارات التشويش على الهواتف المحمولة حول مقار اللجان كإجراء تقني لمواجهة تسريب الأسئلة أو تلقي الإجابات عن بُعد. ورغم فعالية التشويش في تعطيل الاتصالات غير المشروعة، إلا أن نجاحه مرهون بالتنسيق الدقيق لتجنب التأثير على خدمات الطوارئ أو المناطق السكنية المحيطة، ما يستدعي خطة تشغيل مدروسة ومحددة النطاق الزمني والمكاني.
ولا يقل أهمية عن الأدوات التقنية تطبيق عقوبات رادعة على الطلاب المخالفين، وكذلك على المراقبين أو المسؤولين الذين يثبت تهاونهم. فغياب المحاسبة كان دومًا ثغرة ينفذ منها الغش، بينما يؤكد خبراء التربية أن العدالة في العقوبة—لا قسوتها—هي ما يصنع الردع الحقيقي. عقوبات واضحة، مُعلنة، ومتدرجة، تضمن أن يعرف الجميع حدود المسؤولية دون ظلم أو تعسف.
في المقابل، يشدد تربويون على أن الردع وحده لا يكفي. فدور التأهيل النفسي والتوعوي للطلاب والمراقبين لا يقل أهمية عن الكاميرات والتشويش. توضيح خطورة الغش على مستقبل الطالب، وعلى سمعة الشهادة، وعلى ثقة المجتمع في التعليم، يسهم في تغيير الثقافة السائدة من التحايل إلى الاستحقاق.
أما الدوريات الأمنية حول اللجان، فتمثل عنصر أمان إضافيًا، خاصة في مواجهة محاولات اقتحام أو فوضى خارجية. وجود أمني منضبط، بعيد عن الاستعراض، يطمئن أولياء الأمور ويعزز هيبة الامتحان دون ترهيب للطلاب.
يبقى التحدي في تحقيق التوازن: حماية نزاهة الامتحان مع صون كرامة الطالب، وتطبيق القانون دون إفراط. فالثانوية العامة ليست اختبار معرفة فحسب، بل اختبار منظومة كاملة. وعندما تتكامل التكنولوجيا مع القانون، والتوعية مع الانضباط، يمكن أن نقترب من هدف طال انتظاره: ثانوية بلا غش، تعكس جهد الطالب الحقيقي وتفتح أبواب المستقبل على أساس من العدالة والشفافية.