عاجل

من يحمي غذاء المصريين؟ صراع الصلاحيات يُشعل ملف الهيئة البيطرية

نقابة البيطريين
نقابة البيطريين

في ظل تصاعد التحديات الصحية والوبائية التي تواجه قطاع الثروة الحيوانية، وتجدد المخاوف المتعلقة بسلامة الغذاء والصحة العامة، عاد إلى الواجهة ملف إنشاء هيئة بيطرية مستقلة تتولى إدارة منظومة الصحة الحيوانية في مصر بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية.

إنشاء هيئة بيطرية

مطالب الأطباء لا تنطلق من فراغ، بل تستند إلى واقع عملي يؤكد أن تبعية الخدمات البيطرية للهيكل التقليدي لوزارة الزراعة باتت عائقًا أمام سرعة اتخاذ القرار، والتعامل الفوري مع الأزمات، وحماية الأمن الغذائي للمواطن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جادة حول ضرورة التحول إلى كيان سيادي يتمتع بالاستقلالية والصلاحيات الكاملة.

إنشاء هيئة بيطرية مستقلة

ومن جانبه قال الدكتور محمود عفيفي، الأمين العام لنقابة الأطباء البيطريين، إن المطالبات بإنشاء هيئة بيطرية مستقلة للإشراف على الصحة الحيوانية تتجاهل حقيقة أن هذه الهيئة موجودة بالفعل منذ أكثر من 40 عامًا، مشيرًا إلى أن الهيئة العامة للخدمات البيطرية أُنشئت عام 1984، وتقوم بدورها كجهة مسؤولة عن حماية وتنمية الثروة الحيوانية في مصر.
وأوضح عفيفي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الهيئة كيان مستقل إداريًا وله موازنته الخاصة، لكنها تتبع وزارة الزراعة، وهو أمر معمول به منذ تأسيسها، مؤكدًا أن الهيئة هي الجهة المنوط بها الإشراف الكامل على الصحة الحيوانية والتحصينات البيطرية، والكشف على اللحوم بالمجازر، والتفتيش على الأسواق، ومكافحة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.


الهيئة تعمل في حدود الإمكانيات المتاحة

وأضاف عفيفي أن الحديث عن ضعف الإمكانيات لا يُعد مشكلة تخص الهيئة وحدها، وإنما هو جزء من تحدٍ عام تواجهه الدولة، لافتًا إلى أن الهيئة تعمل في حدود الإمكانيات المتاحة لها، ويبذل الأطباء البيطريون جهودًا كبيرة تفوق طاقتهم، خاصة في ظل التراجع المستمر في أعداد الأطباء العاملين.

وأشار الأمين العام لنقابة الأطباء البيطريين إلى أن للهيئة فروعًا في جميع المحافظات، ويقوم الأطباء البيطريون بدور محوري في تنفيذ حملات التحصين، ومكافحة الأمراض مثل البروسيلا، والتفتيش على اللحوم بالمجازر والمطاعم، فضلًا عن جهود مكافحة الكلاب الضالة، مؤكدًا أن هذه المهام تُنفذ رغم نقص الأعداد والإمكانيات.

وشدد عفيفي على أن النقابة تطالب منذ سنوات بتوفير حماية قانونية حقيقية للأطباء البيطريين أثناء أداء عملهم، مجددًا الدعوة لإنشاء ما يُعرف بـ«الشرطة البيطرية»، على غرار شرطة المرافق أو الكهرباء، لتأمين الأطباء داخل المجازر والأسواق، ودعم حملات التفتيش والرقابة، بما يضمن سلامة الغذاء وحماية القائمين على إنفاذ القانون البيطري.


تداخل في الاختصاصات

تطرق إلى وجود تداخل في الاختصاصات بين الهيئة العامة للخدمات البيطرية وبعض الجهات الأخرى، مثل هيئة سلامة الغذاء وقطاعات الإنتاج الحيواني، موضحًا أن هذا التداخل لا يمثل أزمة في حد ذاته، لكنه قد يسبب ارتباكًا في الأداء حال غياب وضوح الأدوار، مؤكدًا أن تحديد الاختصاصات بشكل دقيق يسهم في تسهيل العمل وتحقيق التكامل بين الجهات المختلفة.


تعيين أعداد كافية من الأطباء البيطريين لسد العجز القائم

واختتم الأمين العام لنقابة الأطباء البيطريين تصريحاته بالتأكيد على أن أبرز مطالب النقابة تتمثل في تعيين أعداد كافية من الأطباء البيطريين لسد العجز القائم، مثمنًا إعلان الحكومة عن الاستعانة بنحو 4500 طبيب بيطري، معتبرًا هذه الخطوة «بداية إيجابية وخطوة تبعث على الأمل» لدعم منظومة الصحة الحيوانية في مصر.

وقال الدكتور عبدالسلام عاطف، أستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، إن الفارق الجوهري بين الهيئة العامة للخدمات البيطرية بصورتها الحالية، وبين إنشاء هيئة بيطرية مستقلة، هو الفارق بين إدارة تكتفي بتسيير الأعمال، وإدارة تمتلك أدوات التغيير وصناعة القرار السريع، وهو ما تحتاجه منظومة الصحة الحيوانية في مصر في هذه المرحلة الدقيقة.

التبعية الإدارية تقيد سرعة اتخاذ القرار

وأوضح عاطف، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن التبعية الإدارية الحالية للهيئة العامة للخدمات البيطرية لوزارة الزراعة تُقيّد سرعة اتخاذ القرار، إذ تمر القرارات الفنية المصيرية – مثل إعلان الطوارئ الوبائية أو استيراد اللقاحات – عبر دورة مستندية طويلة، ما يؤدي إلى بطء الاستجابة للأزمات، رغم كفاءة الأطباء البيطريين على الأرض.
وأضاف أن الهيئة المستقلة المقترحة، في حال تبعيتها مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء، ستتمتع بسلطة تنفيذية واضحة، ورئيسها سيكون بدرجة وزير، بما يسمح باتخاذ القرار الفني وتنفيذه فورًا دون وسطاء، على غرار هيئتي الدواء وسلامة الغذاء، وهو ما يحقق وحدة القرار وسرعة التدخل.

نقص اللقاحات والأدوات وحوافز الأطباء

نقص اللقاحات والأدوات وحوافز الأطباء
وأشار أستاذ الطب البيطري إلى أن الأزمة التمويلية تمثل أحد أكبر التحديات، حيث تخضع موازنة الخدمات البيطرية حاليًا لموازنة وزارة الزراعة، ما ينعكس على نقص اللقاحات والأدوات وحوافز الأطباء، فيضطر الطبيب البيطري للعمل بإمكانات محدودة. بينما وجود هيئة مستقلة بموازنة خاصة سيمكنها من تطوير المعامل، وتوفير المستلزمات، وصرف بدلات مخاطر وعدوى حقيقية تتناسب مع طبيعة العمل.
وتطرق الدكتور عبدالسلام عاطف إلى تداخل الصلاحيات، موضحًا أن الطبيب البيطري يعاني حاليًا من تشابك بين قرارات الوزارة والمحليات وجهات أخرى، ما يضعف دوره الرقابي. في المقابل، فإن الهيئة المستقلة ستتمتع بضبطية قضائية كاملة، تحمي قراراتها الفنية وتمنح مفتشيها سلطة حقيقية على جميع المنشآت المرتبطة بالصحة الحيوانية.

ضرورة لتحديث منظومة الصحة الحيوانية

أكد أن بقاء الخدمات البيطرية تحت مظلة وزارة الزراعة يؤدي أحيانًا إلى تضارب في الأهداف بين زيادة الإنتاج من جهة، وفرض الإجراءات الوقائية الصارمة من جهة أخرى، مشددًا على أن المعايير الدولية للجودة تفرض الفصل الكامل بين جهة الإنتاج وجهة الرقابة، مؤكدًا على أن المطالبة بإنشاء هيئة بيطرية مستقلة ليست انتقاصًا من القيادات الحالية، بل هي ضرورة لتحديث منظومة الصحة الحيوانية، وحماية الطبيب البيطري، وضمان سلامة الغذاء، والحفاظ على الاقتصاد الوطني، بما يحقق في النهاية حق المواطن في غذاء آمن واقتصاد مستقر.

تم نسخ الرابط