الحروب الدينية والسياسية: عسكر يوضح دور الدين في قرارات ترامب وجذوره التاريخية
قال المحلل العسكري سامح عسكر، إنَّه علاوة على سياسيات ترامب الدينية التي رفع فيها الإنجيل ودعم إسرائيل بالمطلق لدرجة ضم أراضٍ سورية محتلة كالجولان للإسرائيليين بمخالفة مواثيق مجلس الأمن، ومشاريع أخرى صهيونية كان يدعمها صهره "كوشنر" عرفت وقتها بصفقة القرن التي كان ظاهرها السياسة وباطنها الدين، فظاهرها السياسي هو السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو بين العرب واليهود، لكن باطنها الديني في اعتبار أرض فلسطين ملكا لإسرائيل لا يجوز فيه عودة اللاجئين واعتبار القدس عاصمة إسرائيل المقدسة وهو ما فعله ترامب بالفعل في نقل سفارته الرسمية من تل أبيب للقدس لمركزيتها الدينية في المعتقد الصهيومسيحي.
وقد أفاض "وول ديورانت" في الجزء 29 من موسوعته "قصة الحضارة" أنباء الحروب الأوروبية في القرون الوسطى قبل وأثناء عصر التنوير واستخلص منها مشهدا عاما وهي أنها تجري بطبيعة دينية، سواء بين الأوربيين والدولة العثمانية أو بين الأوروبيين وأنفسهم، بالخصوص في نطاق ما عرف قديما بالامبراطورية الرومانية المقدسة التي شهدت حروبا بين ملوك السويد والألمان والبولنديين، وغيرهم بوازع ديني، ولم يخل من توظيف قصة "هر مجدون" في المعارك ، مما يثبت أن هذه القصة الدينية كانت – ولا زالت – محورية في الحشد الديني المسيحي، وظهورها مؤخرا في سياق دولة أرض الميعاد وإسرائيل ترافق مع اتجاه تفسيري للكتاب المقدس ظهر منذ القرن 19 م في الربط بين هرمجدون وأرض الميعاد والهيكل الثالث والمجئ الثاني ليكون هذا الخليط المتنوع منظومة سياسية وحربية يؤمن بها متشددي البروتستانتية بالخصوص، ومن خلالها يدعمون إسرائيل في الغرب من منطلق طائفي.
أما بالنسبة للمسلمين فقد اشتهرت هذه المعركة ليست بلفظ "هر مجدون" ولكن بملاحم آخر الزمان ضد الروم، الذين سيأتون المسلمين تحت ثمانين غاية أو راية، والأحاديث في وصف تلك الملاحم كثيرة جدا، وهي مرتبطة بالمجئ الثاني أيضا للسيد المسيح وفقا للمعتقد الإسلامي الذي سينزل فيه فوق منارة دمشق ليقتل الدجال ويكسر الصليب، وهذا الترابط بين الروايتين المسيحية والإسلامية يؤكد أن مصدر تلك المعارك واحد، والآلية التي انتقلت بها للجماهير والفقهاء أيضا واحدة مع خلاف بالتفاصيل يقول أن المسيح سوف يحكم دولة الرب 1000 عام ويأخذ المؤمنين به وفقا للمعتقد المسيحي إلى السماء، بينما سيقتل الدجال ويكسر الصليب ويُسلم راية القيادة للمهدي المنتظر بقوله " أميركم منكم" وفقا للمعتقد الإسلامي، علما بأن كلمة "أميركم منكم" لا زالت تحتفظ بهوية المسيح غير الإسلامية في أصالتها بما يؤكد مصدرية تلك الرواية من خارج الذهن الإسلامي الذي يعتقد بأن المسيح دعا للإسلام بالأساس.
وهو ما نلحظه بالفعل بأن مصادر روايات نزول المسيح في الإسلام من خمسة طرق غير إسلامية هم " كعب الأحبار وهو حبر يهودي سابق- وعبدالله بن سلام أيضا وهو حبر يهودي سابق - ونوف البكالي - وأبي هريرة - وعبدالله بن عمرو بن العاص" والأخيران تتلمذا على يد أحبار اليهود الذين أسلموا سواء في حياة رسول الإسلام أو بعد مماته، وتكفي عرض هذه الأسماء ومسئوليتها عن الرواية بأن عقيدة، "حياة ونزول المسيح آخر الزمان"، تسربت للثقافة الإسلامية من نظيرتها المسيحية واليهودية، ولأن طُرق الأحاديث الخاصة بالمسيح جميعها تمر أو تنتهي بأحد الرهبان أو ممن تأثروا بهم وبخطابهم بين عوام المسلمين.