عاجل

عندما تطلق أقوى اقتصادين في العالم رصاصة الحرب التجارية الأولى، لا يكون الخطر مقصوراً على الأسواق والمستثمرين فحسب، بل ينسف أحد المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي منذ نهاية الاستعمار مبدأ السيادة الاقتصادية للدول هذا المبدأ الذي يعني حق كل دولة في تقرير سياساتها الاقتصادية دون تدخل خارجي، والتحكم في مواردها، وبناء استراتيجيات تنموية تخدم مصالح شعبها، وجد نفسه محشوراً بين مطرقة القوة الأمريكية وسندان الطموح الصيني الحرب التي بدأت بفرض رسوم جمركية متبادلة وسرعان ما توسعت إلى حظر تكنولوجي وحرب رقمية ومعركة على المعادن النادرة وتحالفات اقتصادية إقليمية، لم تعد مجرد نزاع بين واشنطن وبكين لقد تحولت إلى اختبار قاسٍ لمدى قدرة الدول المتوسطة والصغيرة، بل وحتى الكبيرة منها مثل دول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، على الحفاظ على استقلالية قرارها الاقتصادي في عالم يتحول إلى ساحة معركة بين عملاقين.
المشهد الجديد قاسٍ بكل المقاييس، فالدول التي كانت تعتمد على سلاسل التوريد المتكاملة بين الصين وأمريكا تجد نفسها مضطرة إلى "اختيار جانب" أو على الأقل إعادة هيكلة اقتصاداتها بعناية فائقة لتجنب الغضب من أي من الطرفين قرار شركة أو دولة بالتعامل مع هواوي في شبكات الجيل الخامس، على سبيل المثال، لم يعد قراراً تجارياً تقنياً بحتاً، بل تحول إلى بيان سياسي قد يجلب عقوبات أمريكية وفي المقابل، رفض الصفقات مع الشركات الصينية قد يؤدي إلى حرمان من الوصول إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم أو إلى عقوبات تجارية من بكين هذا الوضع يضع الدول في مأزق وجودي إما أن تفقد جزءاً من سيادتها الاقتصادية من خلال الانصياع لشروط أحد العملاقين، أو أن تخاطر بالعزلة والتكاليف الباهظة للمحايدة السيادة الاقتصادية، بهذا الشكل، تتحول من حق مطلق إلى سلعة تفاوضية، حيث تتنازل الدول عن جزء منها مقابل الحصول على حماية السوق الأمريكية أو فرص الاستثمار الصيني.
الأكثر خطورة هو تحول الأدوات الاقتصادية إلى أسلحة جيوسياسية، فالعقوبات الأمريكية الثانوية، التي تهدد بعقوبات أي كيان حول العالم يتعامل مع أهداف أمريكية، تفرض قيوداً على دول لم تكن طرفاً في النزاع أصلاً وبالمثل، استخدام الصين لسلاح "العقوبات الاقتصادية المستهدفة" ضد دول انتقدت سياستها، كما حدث مع ليتوانيا وأستراليا، يخلق سابقة مخيفة حيث تتحول العلاقات التجارية إلى أداة عقاب على المواقف السياسية هذا النمط يقوض فكرة أن التجارة الدولية هي مجال للتعاون المتبادل المنفعة، ويحولها إلى امتداد للصراع على النفوذ، مما يجعل القرارات الاقتصادية للدول الصغيرة رهينة للمزاج السياسي للقوى الكبرى.
حتى محاولات الدول للتحرر من هذا المأزق عبر تنويع شركائها أو تعزيز التكامل الإقليمي تواجه تحديات هائلة فمشاريع مثل الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة  بقيادة صينية، أو مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق، تقدم بدائل ولكنها غالباً ما تأتي بشروط تمنح بكين نفوذاً استراتيجياً وفي الجهة المقابلة، تبني تحالفات مثل "المثلث الأمني بين أمريكا وبريطانيا وأستراليا حواجز تكنولوجية وعسكرية تؤثر بدورها على الخيارات الاقتصادية للحلفاء الدول التي تحاول اللعب على الجانبين، مثل العديد من دول جنوب شرق آسيا، تجد نفسها في حاجة إلى دبلوماسية اقتصادية بالغة التعقيد، حيث يجب موازنة كل صفقة مع مراعاة ردود الفعل من واشنطن وبكين.
النتيجة الحتمية هي "تفتيت" السيادة الاقتصادية فبدلاً من أن تملك الدولة سياسة اقتصادية موحدة تحددها حكومتها ومصالح شعبها، نجد أنها تفوض أجزاء من هذه السيادة إلى تحالفات تكنولوجية هنا، واتفاقيات تجارية استثنائية هناك، وتتجنب استثمارات في قطاعات حساسة خوفاً من العقوبات في مكان آخر السيادة لم تعد مفهومًا ثنائياً (إما كاملة أو منعدمة)، بل أصبحت نسبية ومجزأة، حيث تفقد الدولة السيطرة على قراراتها في المجالات الاستراتيجية الأكثر حساسية التكنولوجيا المتطورة، والأمن الغذائي والطاقي، والبنية التحتية الرقمية.
في النهاية، الحرب التجارية الأمريكية الصينية تكشف عن حقيقة قاسية في نظام عالمي تهيمن عليه القوى العظمى، تصبح السيادة الاقتصادية للدول الأخرى رهينة لدرجة التنافس بين هذه القوى والدول التي تريد الحفاظ على حيز من المناورة عليها أن تطور قوتها التفاوضية عبر التكامل الإقليمي الحقيقي، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتنمية قاعدة تكنولوجية محلية وإلا، فسيكون مصيرها التخبط بين تبعية من نوع جديد، قد لا تكون أقل وطأة من التبعية الاستعمارية القديمة، فهي تبعية لا تفرض بقوة السلاح، بل بقوة السوق والعقوبات والامتيازات المشروطة مبدأ السيادة الاقتصادية يخوض معركته الأصعب، والنتيجة ستحدد شكل النظام الاقتصادي العالمي لعقود قادمة.

تم نسخ الرابط