بعد تصريحاته عن «الملحد».. أزهري لـ يوسف زيدان: هذا هو الأزهر الذي لا تعرفه
وجه الدكتور علي الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر رسالة للدكتور يوسف زيدان بعد تصريحاته عن «الملحد».
أزهري لـ يوسف زيدان: الأزهر الذي لا تعرفه.. حوارُ البرهانِ لا سيفُ الطغيان
يا دكتور يوسف: طالعتُ كلماتِك الأخيرةَ تعليقًا على فيلم "الملحد"، وحين استوقفتني جملتُك: "لولا أنني رأيتُ في مقدمة الفيلم أنه من إنتاج أحمد السبكي لظننتُ أنه من إنتاج الأزهر الشريف"؛ وجدتُ لزامًا عليَّ -من باب الإنصاف الفكري- أن أفند هذا الطرح الذي أراه قد جانب الصواب تمامًا، وخلط بين "الدراما المتخيلة" وبين "الواقع المؤسسي" لأعرق جامعةٍ إسلاميةٍ في العالم.
أولًا: المنهج القرآني في مواجهة الشك
إن الأزهر الشريف، يا دكتور، لا يستقي منهجه من أفلام السينما، بل من دستور الحق الذي يقول: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. إن هذا المنهج هو الذي جعل القلوب تلتف حول الأزهر عبر ألف عام؛ فهو لم يقهر عقلًا ولم يكره نفسًا، بل آمن دومًا أن "اليقين" لا يُصنع بالإكراه، بل بالبصيرة والبرهان.
ثانيًا: الأزهر في مرمى نيران التكفير
لعلَّ من المفارقات العجيبة أن تربط بين الأزهر وبين مشهد "الذبح" الذي ورد في الفيلم؛ في حين أن الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني هي أن الأزهر ورجالاته هم الضحايا الأوائل لهذا الفكر الدموي. إن الجماعات التكفيرية، وعلى رأسها "داعش"، قد أصدرت بياناتٍ صريحةً كفَّرت فيها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شخصيًّا، واستباحت دمه الطاهر، واعتبرت مناهج الأزهر "ضلالًا"؛ لأنها تقدس العقل وتحترم المنطق. فكيف تنسب للأزهر فكرًا يراه التكفيريون عدوَّهم الأوحد؟ إن مقالتك هذه -يا دكتور- تلتقي من حيث لا تدري مع خطابات المتطرفين الذين يسعون جاهدين لتشويه صورة الأزهر وعزله عن دوره الوسطي.
ثالثًا: براهينُ العقلِ لا سياطُ الوعظِ
الأزهر الذي تلمزه، يا دكتور، هو الذي يُدرّس في أروقته "علم الكلام" كأرقى منظومةٍ عقليةٍ عرفها الفكر البشري. نحن لا نواجه الإلحاد بالزجر، بل نواجهه بـ:
• دليل الحدوث والإمكان: الذي يفكك مادية العالم بالمنطق الصوري.
• الدليل الرياضي: الذي ينقض خرافة "الصدفة" بحساب الاحتمالات العلمي.
• فلسفة الأخلاق: عبر مباحث "التحسين والتقبيح"، لإثبات أن القيم الإنسانية لا تستقيم إلا بمرجعيةٍ إلهيةٍ متعالية.
إن الأزهر يربي أبناءه على أن "العقل" هو هبة الله، وأنه لا تعارض أبدًا بين "صحيح المنطق" و"صريح النقل".
رابعًا: الدستور الأزهري.. "لا نكفر أحدًا"
لقد أرسى الأزهر قاعدةً ذهبيةً هي صمام أمان المجتمعات، مستمدًا إياها من الإمام أبي الحسن الأشعري -رضي الله عنه- حين قال: "اشهدوا عليَّ فإني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة". ونحن نتعبد الله بمقولة حجة الإسلام الغزالي: "الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إليه سبيلًا". هذا هو الأزهر الذي يعلمنا أن "سفك الدماء" هي من أعظم الجرائم عند الله.
خامسًا: من المحلية إلى العالمية (وثيقة الأخوة الإنسانية)
يا دكتور يوسف، إن الأزهر الذي تهكمتَ عليه هو نفسه الذي قدم للعالم "وثيقة الأخوة الإنسانية". إن توقيع الإمام الطيب مع قداسة البابا فرنسيس لم يكن مجرد بروتوكول، بل هو إعلانٌ عالميٌّ بأن الدين جاء لسعادة الإنسان لا لذبحه، ولحفظ كرامته لا لإهانته. هذه الوثيقة تكرس "المواطنة" و"الحرية" و"حق الاختلاف"، وهي أبلغ ردٍّ عمليٍّ على من يحاول حصر الأزهر في قوالب "الاستتابة" الضيقة.
سادسًا: كلمةُ الإمامِ الفاصلة
لقد صدح فضيلة الإمام الطيب بكلمةٍ حقٍّ يجب أن تُكتب بماء الذهب: "الأزهر لا يكره أحدًا، ولا يملك مفاتيح الجنة ولا خزائن النار". الأزهر مؤسسةٌ علميةٌ، بيانيةٌ، لا سلطة لها على الضمائر، بل سلطتها هي "سلطة الحجة".
يا دكتور يوسف، إنَّ حصر الأزهر في صورة "الأب الذابح" هو ظلمٌ فادحٌ للتاريخ وللحقيقة. الأزهر هو الحصن الذي منع تحول عقول الشباب إلى متفجراتٍ موقوتة، وهو الذي حمى الفكر العربي من الانغلاق التكفيري. لعلَّك تراجع هذا الربط الظالم؛ فالأزهر سيظلُّ دومًا واحةً للحوار، ومنارةً للحكمة، وبرهانًا ساطعًا على أن الإسلام دينُ رحمةٍ وعقلٍ، لا دينَ ذبحٍ وجهلٍ.


