عاجل

«كان خلقه القرآن».. كيف يكتسب المسلم الأخلاق الحسنة في شهر رجب؟ أزهري يوضح

الشيخ محمد مصطفى
الشيخ محمد مصطفى صالح

يتساءل الكثيرون عن الأخلاق الحسنة وكيفية اكتسابها خاصة في الأشهر الحرم وشهر رجب، وفي جواب ذلك يقول الشيخ محمد مصطفى صالح إمام وخطيب بوزارة الأوقاف، إن الإنسان مفطور على محبة الجمال وعلى محبة الكمال وعلى محبة السهولة واليسر.

كيف يكتسب المسلم الأخلاق الحسنة في شهر رجب؟

وتابع: أخلاق رسول الله ﷺ أكملُ الأخلاق وأجملُها وأيسرُها فالمتأسي بها ميسر والمقتدي بها مُقَرَّر والملازم لها مُنَوَّر؛ والمسلم معني بالاقتداء برسول الله ﷺ ومعرفته "أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ"، وحاصل هذه المعرفة التأسي برسول الله ﷺ واتباعه والإيمان والعمل بسنته "فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ" 

كما أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وأخرج الترمذي في صحيحه عن  جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ"إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا"، وأخرج أبو داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ"أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا وخيارُكم خيارُكم لأهلِهِ".

تعريف الأخلاق وأنواعها

في اللغة: الأخلاق جمع، مفرده (الخلق)، والخلق يطلق على الطبع والسجية والمروءة والدين، وحقيقته أنه وصف لصورة الإنسان الباطنة.

الخلق اصطلاحًا :هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، أي الكريم لا يفكر عند إكرامه للغير لأن الكرم فيه سجية والشجاع إذا سمع صرخة أو استغاثة طار إليها دون أن يفكر، قال الجاحظ "والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعضهم لا يكون إلّا بالرياضة والاجتهاد"، وعلى كلٍ فنحن متساوون على العموم فهذه الطباع والأخلاق موزعة بيننا ، فبعضُنا كريم بالفطرة وبعضُنا شجاع من وقت الصبا وبعضُنا صبورٌ على المصاعب منذ حداثةِ سِنّهِ ، وهذا متسامح وذاك رحيم ودود مع الناس وذلك وفِيُّ بطبعه.

قال الإمام الغزالي في الإحياء فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميت خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً؛ الحاصل أن الأخلاق هي أوصاف الإنسان الباطنة التي يتعامل بها وهي محمودة ومذمومة وفطرية ومكتسبة.

أنماط الناس مع الأخلاق

وأوضح الناس مع الأخلاق ثلاثة أصناف إما موهوب أو مكتسب أو غافل ؛ ‏أما الموهوب هذا رجل أو إنسان يطبعه الله على خلقٍ نبيل موهبةً من الله وفضل فمثلًا ترى ابن من أبنائك مطبوع على حب الناس وابن ثاني مطبوع على الشجاعة وثالث مطبوع على التعاطف .

‏وأما المكتسب هذا رجل أو إنسان يحتاج إلى التدرب والتطبع على خلق يفتقده، فمثلًا ترى إنسان غير مطبوع على الكرم فهو يحتاج إلى هذا الخلق وإلى التدرب عليه حتى يتسم بالكرم ، ‏من لم يكن رحيمًا إن تدرب على خلق الرحمة فمن الممكن أن يكون رحيمًا ، ‏من لم يكن بارًا إن تدرب على البر فمن الممكن أن يكون بارًا .

‏وأما غافل وهو الذي لا يبالي أَحَسُنَ خُلُقُهُ أَمْ ساء، ‏والحاصل أن الله تعالى قد طبع كل منا على طباع حميدة وكلفه باكتساب مالم يطبع عليه فمهما يكن فيك من أخلاق حميدة فالزمها واشكر الله عليها ومهما فاتك منها فتدرب عليه.

 معينات على كسب الأخلاق الحسنة وتطبيقها

ويعينك على اكتساب الأخلاق الحسنة وتطبيقها خمسة أمور:

الأول: الأسرة، فهو أول مكان يتلقى فيه الإنسان معتقداته وأفكاره وقيامه ومعرفة الأسرة وهو مولود على الفطرة ففي الحديث ﷺ "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه او يمجسانه" فالأسرة إما أن تثبت هذه الفطرة من داخله وإما أن تهوده أوتنصره أوتمجسه.

‏فهذا سيدنا لقمان عليه السلام يعلم ابنه وهو الأب المربي يغرس في ولده العقيدة الصحيحة والأخلاق الرشيدة فيستحق بذلك أن يخلد اسمه في القرآن الكريم قال الله تعالى حكاية عن سيدنا لقمان "وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" وبعد آيات "ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".

فسيدنا لقمان يعلم ابنه، فنحن بحاجة إلى أبٍ يربي كحاجتنا إلى أبٍ يغذي ونحن بحاجةٍ إلى أم مربية كحاجتنا إلى أم طعمة ، فالأسرة هي النواة الأولى أو المكان الأول الذي يعين الإنسان على اكتساب الأخلاق الحميدة ، ونصيحتي لكل شاب مقبل على الزواج اجعل معيار الاختيار صاحبة الدين التي تصلح لتربية الأولاد واحرص على أن تكون من بيئة صالحة وفاضلة لأن العرق دساس وفي الغالب من نشأ في أسرة تربوية صحيحة سينقل هذه المهارات التي اكتسبها في أسرته المقبلة، ‏فالأسرة أول مكان يعين الانسان على اكتساب الأخلاق الحميدة ومن فقد والديه أو أسرته لسببٍ من الأسباب فليعزز موقفه بالطرقِ الأربعةِ الأخرى.

الثاني: المعلم، إن لم تستطع أن تتخير والديك فباستطاعتك أن تتخير معلمك ، يتعلم المرء بعينيه أكثر مما يتعلمه بأذنيه فعندما ترى المعلم يجسد الأخلاق قولًا وفعلًا تنطبع صورة الخلق العالي فيك فلا تنساه ، عندما ترى معلمك صادق الوعد والكلمة عفيف اللسان واليد مهذب المشية فلن تنسى هذه الأخلاق.

‏مثال: سئل الإمام الحسن البصري عن عمرو بن عبيد فقال للسائل "سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته إن أمر بشيء كان ألزم الناس به وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له".

‏مثال: لما خرج الإمام العز بن عبد السلام من الشام إلى مصر امتنع مفتي الديار المصرية عن الإفتاء وهو الإمام عبد العظيم المنذري صاحب كتاب الترغيب والترهيب لما علم الإمام المنذري بوصول الإمام عز الدين بن عبد السلام سلطان العلماء امتنع الشيخ عن الإفتاء وسار يقول كنا نفتي قبل حضور الشيخ العز بن عبد السلام أما بعد دخوله فمنصب الفتيا متعين فيه، فهذه المواقف تعلمنا أدبًا وتعلمنا خلقًا فعندما تصحب المعلم يعلمك الأدب بفعله قبل قوله وبحاله قبل مقاله

الثالث: الصاحب الصالح الصادق: إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكرك وإذا أخطأت قومك، إن كلمة السر في صلاح وفلاح الصالحين بعد توفيق الله الصاحب فإذا صاحبت الكبار صرت كبيرًا وإذا صاحبت الصغار أصابك الصغر إذا صاحبت الكرام علموك الكرم وإذا صاحبت اللئام علموك اللؤم إذا صاحبت كريم الأخلاق أصابتك عدوة جمال أخلاقه 
وإذا صاحبت سيئ الأخلاق أصابتك عدوى أخلاقه السيئة.

قال رسول الله ﷺ "مثَلُ الجليسِ الصالحِ ومثلُ جليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكيرِ ، فحاملُ المسكِ إما أن تبتاعَ منه، وإما أن تجدَ منه ريحًا طيبةً ، ونافخُ الكيرِ إما أن يُحرِقَ ثيابَك ، وإما أن تجدَ منه ريحًا خبيثةً" ، فمصاحبة الأخيار تعدي ومصاحبة الأشرار تردي قال رسول الله ﷺ " لا تُصاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، ولا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ".

وشدد: عندما تصاحب أصحاب الأخلاق العالية تتحمس للذهاب إلى هذه الأخلاق ، عندما تصاحب أصحاب الأخلاق الرفيعة تتحمس لتكون مثلهم أو قريبا منهم، عندما تصاحب أصحاب الأخلاق الحسنة تسري إليك منهم الأخلاق الحسنة وعكس ذلك بعكسه فإذا صاحبت الأشرار علموك الشر والخبث والمكر  
اختر قرينك واصطفيه تفاخرا * إن القرين إلى المقارن ينسب
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا * إن الكذوب يشين حرا يصحب
وزن الكلام إذا نطقت ولاتكن * ثرثارة في كل ناد تخطب
واحذر مصاحبة اللئيم فإنه * يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ

الرابع: المجاهدة: ‏اعلم أن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك هي بالباطل فالنفس السوية تميل إلى الاعتدال والتوسط، والنفس بوجه عام تميل إلى حب الظهور والميل عن القصد وحب الذات ولهذا جاء التنبيه : "وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا  فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا  قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا  وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا" ، "إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ"، "وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ".

ومن طبيعة النفس البشرية أنها لا تحب الالتزام بالأخلاق الرفيعة النفس تحب ثناء الآخرين تحب العجب والغرور والتزكية تحب الشهوة ولا تريد لصاحبها العفاف والالتزام بالمسؤولية فإذا أردت أن تكتسب أو تزيد من أخلاقك فما عليك إلا أن تجاهد نفسك 
ورحم الله الإمام البوصيري صاحب البردة الذي قال 
وجاهد النفس والشيطان واعصهـــما * وإن هما محـــضاك النـــصح فاتــهــم
فاصرف هواها وحاذر أن تولــــــــــيه * إن الهـــــــوى ما تولى يصم أو يصــم
والنفس كالطفل إن تهمله شب على * حب الرضـــــاع وإن تفـطمه ينفطــم
كم حسنت لذة للمرء قاتلة  * من حيث لم يدر أن السم في الدسم
عفوا أيها الأخوة الذين يدمنون المخدرات من الذي حسن لهم هذا الإدمان
الذين يعتدون على أموال الناس وأعراضهم من الذي حسن لهم هذا الفعل 
الذين يحبون التعدي على الغير من الذي حسن لهم هذا الفعل إنها النفس 

وأكد: ‏جاهد نفسك واحملها حملًا فمن أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر طريقته أن يواظب على أفعال المتواضعين ومن أراد أن يحصل لنفسه خلق الجود وقد غلب عليه البخل أن يواظب على أفعال أهل الكرم 

الخامس: الدعاء أن تسأل الله أن يجمل أخلاقك وأن يكمل آدابك بالكمال كان رسول الله ﷺإذا قام إلى الصلاة دعا "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت اهدني لاحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت" وعن عائشة أن رسول الله ﷺ "اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي"

واختتم: أخي المسلم إذا كان وجهك وهيئتك يهمك إذا كنا نهتم بأشكالنا ومظاهرنا فلنجعل هذا في مكانه الحقيقي ونهتم بمظهرنا الباطني من منا يعرف شكل الإمام الشافعي من منا يعرف شكل سيدنا لقمان من منا يعرف شكل البخاري يجوز إذا قرأنا أوصافه نجد  لكن يهمنا جدا خلق الإمام الشافعي خلق سيدنا لقمان خلق سيدنا البخاري يهمنا أن نعرف ما أخرجه عقل وقلب الإمام الشافعي ما يهمنا أن نعرفه ما أخرجه قلب وعقل الائمة الأعلام وصحابة رسول الله ﷺ

تم نسخ الرابط