في قاعة اجتماعات مركز وليام را بارد في جنيف، حيث تلتقي أعلام الدول تحت سقف منظمة التجارة العالمية، تُحسم مصائر اقتصادات كبرى وصغرى عبر آلية غاية في التعقيد تسمى "تسوية المنازعات" هنا، في هذا المبنى الزجاجي الذي يرمز لشفافية النظام التجاري الدولي، تدور معارك صامتة لا تقل شراسة عن الحروب التجارية المعلنة، معارك تتخذ شكل شكاوى قانونية وطلبات تشاور ونداءات واستئنافات فمنذ ولادة المنظمة عام 1995، وهي تحمل في قلبها آمالاً عريضة بتحويل الصراع التجاري من مواجهات ثنائية متحيزة إلى نزاعات مؤسسية خاضعة للقانون والواقع أن آلية تسوية المنازعات هذه كانت نجاحاً باهراً في العقدين الأولين، حيث أنشأت سلطة قضائية شبه عالمية استمعت إلى أكثر من 600 دعوى، وفرضت منطقاً قانونياً على علاقات كان يهيمن عليها لغة القوة لكن هذا الصرح بدأ يتصدع تحت وطأة تحديين رئيسيين تعقيد القضايا الحديثة، وهجوم القوى العظمى على النظام نفسه.
التحدي الأول يتمثل في طبيعة النزاعات نفسها التي تطورت من خلافات على الرسوم الجمركية البسيطة إلى صراعات على سياسات صناعية معقدة فالنزاعات اليوم لم تعد حول "كم" الرسوم، بل حول "كيف" تتدخل الحكومات في اقتصاداتها الإعانات الحكومية الضخمة لقطاعات مثل الطائرات أو الطاقة المتجددة، والقوانين المتعلقة بالأمن القومي التي تستخدم كذرائع حماءيه، وتدابير الصحة والصحة النباتية التي تعيق الوصول إلى الأسواق، كلها قضايا تضع النظام أمام اختبارات غير مسبوقة كيف تحكم في نزاع بين عملاقين حول إعانات شركات طيران، حيث تمتزج الاعتبارات التجارية بالأمنية والسياسية؟ كيف تفرق بين حماية شرعية للبيئة وتقييد مقنع للتجارة؟ هذه الأسئلة تضع هيئات التحكيم التابعة للمنظمة في موقف حساس، فهي مطالبة بالحكم في قضايا تمس السيادة الوطنية وتوجهات التنمية الاقتصادية للدول، مما يجعل أحكامها هدفاً للنقد والرفض، خاصة من الدول الكبرى التي لم تعد ترغب في الخضوع لقواعد لم تعد تشعر أنها تخدم مصالحها بالكامل.
وهنا نصل إلى التحدي الثاني والأخطر: أزمة شرعية النظام بحد ذاته فالهجوم الأمريكي المتواصل على الهيئة الاستئنافية، وهي بمثابة محكمة النقض في النظام، شلّ أهم أركان آلية تسوية المنازعات الولايات المتحدة، التي كانت الداعم الأكبر للنظام، رفضت تعيين قضاة جدد للهيئة، متهمة إياها بتجاوز ولايتها وسلطاتها وتفسير القواعد بشكل يضر بمصالحها هذا التصعيد أدى إلى شلل الهيئة الاستئنافية منذ نهاية عام 2019، وبالتالي شلّ النظام برمته، حيث أصبحت الأحكام القضائية الأولية قابلة للتعطيل ببساطة من خلال استئنافها إلى هيئة لا تستطيع العمل وهو ما حول النظام من آلية فعالة إلى هيكل شكلي في كثير من الأحيان.
النتيجة هي عودة العالم إلى عصر الحلول الثنائية والتفاوض المباشر خارج إطار المنظمة، حيث تعود لغة القوة والحجم الاقتصادي لتلعب دوراً رئيسياً الدول الصغيرة والمتوسطة فقدت درعاً كان يحميها من تعسف الكبار، بينما لجأت القوى العظمى إلى فرض رسوم أحادية الجانب وإبرام صفقات تجارية استثنائية خارج الإطار متعدد الأطراف النظام الذي كان يُعتبر إنجازاً تاريخياً في حوكمة الاقتصاد العالمي بات على حافة الهاوية، يحاول بقاءه عبر حلول مؤقتة مثل "الترتيب الاستئنافي المتعدد الأطراف المؤقت" الذي أنشأته بعض الدول لتحل محل الهيئة المعطلة، لكنه حل جزئي لا يضم كل الأعضاء.
مستقبل النزاعات التجارية في ظل منظمة التجارة العالمية أصبح مرتبطاً بمصير النظام الدولي متعدد الأطراف ككل إنه مرآة تعكس صراعاً أعمق بين رؤية عالم تحكمه القواعد المؤسسية، وعالم آخر تتحكم فيه المصالح القومية والتحالفات السياسية النزاعات التجارية لم تختف، بل تغير شكلها، وانتقلت من قاعات جنيف المكيفة إلى الساحة الدولية المفتوحة، حيث لم تعد القوانين وحدها هي التي تحكم، بل ميزان القوى الاقتصادية والرغبة السياسية هذا التحول يهدد بانهيار أحد أهم إنجازات العولمة، وهو تحويل التجارة من مجال للصراع إلى مجال للتعاون الخاضع للقانون.