جيل «التيك توك».. هل تغيرت لغة الحوار بين الشباب؟.. خبراء يجيبون |خاص
مع تسارع التغيرات الرقمية وتوسع حضور منصات التواصل الاجتماعي في حياة الشباب، برز جيل جديد يتواصل ويتفاعل ويتأثر بأدوات وصياغات لغوية مختلفة تمامًا عما كان عليه الحال في الماضي.
جيل التيك توك
جيل «التيك توك»، الذي تربى وسط شاشات صغيرة وسرعة محتوى لا تنتهي، أعاد تعريف لغة الحوار بين الشباب، ليس فقط في الكلمات التي يتبادلونها، بل في طرق التعبير، والسلوك، وحتى في فهم الذات والآخر، هذا التحول أثار سؤالًا محوريًا في الأوساط الاجتماعية والثقافية: هل تغيرت لغة الحوار بين الشباب بالفعل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما أسباب هذا التحول؟ وكيف يمكن للمجتمع من أسر ومؤسسات التعامل مع هذا الواقع الجديد؟، وفي التقرير التالي نجيب لكم عن كل هذه الأسئلة التي تشغل بال الكثيرين:
التغير يشمل جميع أنماط الحياة
من جانبه قال الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، إن التغير الذي نراه اليوم لدى جيل الشباب، خاصة جيل «تيك توك»، لا يقتصر فقط على اللغة اللفظية، وإنما يشمل كل أنماط ولغات التواصل داخل المجتمع، مؤكدًا أن ما تغيّر هو منظومة كاملة من التفاعل بين الأجيال.
وأوضح أبو حسين في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم"، أن مفهوم «اللغة» لم يعد مقتصرًا على الكلام فقط، بل أصبح يشمل لغة الملبس، ولغة الالتقاء البصري، وطريقة الجلوس، وحتى أسلوب الأكل والحياة اليومية، وهي كلها لغات تواصل كانت تمثل جسورًا طبيعية بين الأجيال المتعاقبة، لكنها تعرضت اليوم لانفصال واضح.
الانفصال الشبكي بين الأجيال
وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن هذا الانفصال الشبكي بين الأجيال أدى إلى تشوهات تربوية خطيرة، ضرب مثالًا لها بتغير معايير الحكم على السلوك والمظهر، حيث أصبح ما كان يُنتقد سابقًا يُبرَّر، وما هو ثابت يُنظر إليه باعتباره شاذًا، معتبرًا أن هذا الخلل انعكاس مباشر لغياب الفهم المشترك بين الأجيال، وخاصة وأن حالة الانفصال الحالية بين الشباب والمجتمع انفصال سلبي، والدليل على ذلك يظهر في تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة، حيث لم تعد هناك توافقات زمنية أو اجتماعية بسيطة تجمع أفراد البيت الواحد، ما يعكس اضطرابات نفسية وسلوكية متراكمة لدى الشباب.
الشباب اليوم يعانون من أزمة هوية
وأضاف أبو حسين، أن الشباب اليوم يعانون من أزمة هوية وبحث غير مكتمل عن «البطولة» والمعنى، في ظل تشويه مفهوم القدوة والنجاح، وهو ما يجعل كثيرًا منهم في طريقه للفشل دون وعي، مؤكدًا أن هذا الاستنتاج يستند إلى أدلة بحثية واجتماعية وليست انطباعات شخصية، قائلًا: «نحن أمام جيل نشأ في عالم شديد الإغراء، من يوتيوب وتيك توك ومنصات رقمية، وهم معذورون جزئيًا، لكن هذا عذر مسؤولية وليس عذر تبرئة، لأن المسؤولية تقع على الأسرة والدولة والمجتمع معًا».
وشدد على أهمية إيجاد بدائل حقيقية وسريعة، من بينها العودة إلى الكتاب الملموس والصحافة الورقية، لما لها من أثر نفسي وتربوي مختلف، مؤكدًا أن لمس الكتاب والورق يرسّخ القيم والانتباه بشكل لا تحققه الشاشات الرقمية، محذرًا من أن استمرار هذا الانفصال دون تدخل جاد قد يؤدي إلى أجيال تفتقد عقيدة الانتماء والولاء للمجتمع، وهو خطر لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمتد إلى التعليم والتربية وبنية المجتمع ككل.
وعن آليات المواجهة، شدد الدكتور طه أبو حسين على ضرورة قدر من الصرامة التربوية داخل الأسرة، قائلًا: «نحن لنا أصول وهوية، ولا بد أن يعرف الأبناء جذورهم العقدية والقيمية، فالتربية ليست فوضى، والحريّة لها ضوابط وليست شعارات فارغة».
التربية السليمة تقوم على التعليم قبل القيادة
وتابع: أن التربية السليمة تقوم على التعليم قبل القيادة، مستشهدًا بقول سيدنا عمر بن الخطاب: «تعلّموا قبل أن تسودوا»، موضحًا أن التعليم لا يقتصر على المدرسة أو الجامعة، بل يمتد إلى القيم المتوارثة وسياق الحياة اليومية داخل الأسرة، مؤكدًا أن مواجهة أزمة الجيل الجديد تتطلب وعيًا جماعيًا، وتوازنًا بين مواكبة العصر والحفاظ على الهوية، حتى لا نفقد الأجيال القادمة نفسيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
ومن جانبه قال الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي، إن منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق «تيك توك»، بات لها تأثير بالغ الخطورة على سلوكيات الشباب ولغتهم وطموحاتهم، مؤكدًا أن ما يحدث حاليًا يعكس تغيرًا مفاجئًا في ثقافة المجتمع وتوجهاته يستدعي وقفة جادة من المتخصصين.
محاولة لتحقيق مكاسب مادية
وأوضح عبد العزيز لـ "نيوز رووم"، أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على فئة عمرية بعينها، بل امتدت لتشمل الشباب والفتيات، بل وبعض كبار السن، في محاولة للفت الانتباه أو تحقيق مكاسب مادية، وهو ما ينذر بتداعيات خطيرة على المدى البعيد، خاصة أن هؤلاء الشباب هم آباء وأمهات المستقبل.
وأضاف الخبير التربوي أن ما يُنشر على بعض منصات السوشيال ميديا، من مشاهد تمثيلية أو مواقف أسرية خاصة يتم عرضها على الملأ، يعكس تراجعًا في منظومة القيم والمبادئ، مشيرًا إلى أن إخراج الخلافات أو التفاصيل الزوجية إلى العلن أمر غير مقبول تربويًا ومجتمعيًا.
وأكد عبد العزيز أن فهم الظاهرة يتطلب الوقوف على أسبابها الحقيقية، وفي مقدمتها الضغوط الاقتصادية، حيث بات البعض يرى في السوشيال ميديا وسيلة سهلة لتحقيق دخل سريع، فيتجاوز كل الخطوط الأخلاقية في سبيل العائد المادي، إلى جانب غياب الوازع الأخلاقي وتراجع دور التربية والتعليم.
وأشار إلى أن غياب الدور الحقيقي للمدرسة، وضعف الإشراف داخل بعض المؤسسات التعليمية، سمح بانتقال هذه السلوكيات إلى الأطفال داخل المدارس، حيث يستغل بعض الطلاب غياب الرقابة لتصوير محتوى ونشره عبر «تيك توك» وغيره من المنصات، بدلًا من الانخراط في أنشطة تربوية ورياضية سليمة.
المجتمع يواجه مشكلة خطيرة تتفاقم مع الوقت
وشدد الخبير التربوي على أن المجتمع يواجه مشكلة خطيرة تتفاقم مع الوقت، محذرًا مما وصفه بـ«جيل التيك توك»، الذي اعتبره جيلًا مهددًا للهوية والقيم إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مؤكدًا أن التأثير لن يقتصر على الجيل الحالي، بل سيمتد إلى الأجيال القادمة.
ودعا عبد العزيز إلى اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من هذه الظاهرة، وفي مقدمتها تقييد أو حظر تطبيق «تيك توك» في مصر، باعتباره من أكثر المنصات تأثيرًا سلبيًا على النشء، مؤكدًا أن الهدف ليس إغلاق وسائل التواصل الاجتماعي بالكامل، وإنما غلق الأبواب الأكثر خطورة التي تهدد الاستقرار القيمي للمجتمع.
وأكد أن المواجهة لا تكون بالمنع وحده، بل من خلال عودة الدور الحقيقي للتربية والتعليم، وتفعيل دور الإعلام الوطني في تقديم محتوى درامي وتثقيفي يحترم الأسرة المصرية ولا يجرح القيم المجتمعية، إلى جانب تمكين القنوات الرسمية من القيام بدور توعوي حقيقي.
سن تشريعات صارمة تواكب التطورات الرقمية
كما طالب بضرورة سن تشريعات صارمة تواكب التطورات الرقمية، وتجرم المحتوى الذي يسيء إلى القيم المجتمعية أو يسيء لصورة الدولة، مستشهدًا بحملات قانونية سابقة تم خلالها ضبط ومحاسبة عدد من صناع المحتوى المسيئين.
واختتم الدكتور محمد عبد العزيز تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة، مع تشكيل مجلس نواب جديد، تمثل فرصة حقيقية لفتح هذا الملف بشفافية كاملة، ومناقشته دون حرج أو تعتيم، وصولًا إلى تشريعات واضحة وحاسمة تحمي الأجيال القادمة وتحافظ على هوية المجتمع المصري.