ما كيفية أداء السنن عند الجمع بين الصلاتين جمع تقديم بسبب المطر ؟
ما كيفية أداء السنن عند الجمع بين الصلاتين جمع تقديم بسبب المطر ؟ سؤال أجابت عنه دار الإفتاء موضحة اشتراط الموالاة عند الجمع بين الصلاتين: (الظهر والعصر)، و(المغرب والعشاء) جمع تقديم، ولا يجوز الفصل بينهما بأداء السنن الرواتب أو غيرها، ويكون أداء السنن في هذه الحالة إما بأن يبدأ بالسنة القَبْلية التي تختص بالفريضة الأولى، ثم يصلي الفرضَيْن متتابعَيْن مُرتَّبَيْن من غير فاصل بينهما، ثم يصلي السنن الباقية من بَعْدِيَّة الأولى وقَبْلية الثانية وبَعْدِيَّتها، أو أن يبدأ بصلاة الفرضَيْن مُرتَّبَيْن ثم بعدهما يصلي سُنَّة الأولى القَبْلية ثم بَعْدِيَّتها، ثم سُنَّة الثانية القَبْلية ثم بَعْدِيَّتها.
من مظاهر رفع الحرج في الشريعة الإسلامية
قامت الشريعة الإسلامية على أساس اليُسر والتخفيف ورفع العنت والمشقة عن المكلفين؛ قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وعن أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ».
ومن مظاهر هذا اليسر والتخفيف في الأحكام الشرعية: أنَّها رَخَّصَت من حيث الأصل للمسلم الجَمْعَ في الحضر بين الصلاتين بسبب المطر والوحل الشديدين، اللَّذيْن يسبِّبَان مشقة على المكلف في الذهاب إلى المسجد والعودة منه.
القدر الذي يبيحه المطر والوحل الشديدان من جمع الصلوات
قد اختلفت أنظار الفقهاء في القدر الذي يبيحه المطر والوحل الشديدان من جمع الصلوات، فذهب المالكية والحنابلة في الأصح عندهم إلى جواز جمع التقديم في الحَضَر بين العِشاءين فقط، لا الظُّهْرين، بل ذهب المالكية إلى أنَّ هذا الجمع مندوب إليه في هذه الحالة.
وقال الإمام أحمد الدردير المالكي في الشرح الكبير: رُخِّص ندبًا لمزيد المشقة في جمع العشاءين جمع تقديم لا الظهرين، لعدم المشقة فيهما غالبًا، بكل مسجد ولو مسجد غير جمعة، لمطر واقع أو متوقع، أو طين مع ظلمة للشهر، لا ظلمة غيم، ولا طين فقط على المشهور، ولا ظلمة فقط اتفاقًا.
وقال الإمام منصور البُهُوتي الحنبلي في كشاف القناع: يجوز الجمع بين العشاءين لا الظهرين، لمطر يبل الثياب أو النعل أو البدن، وتوجد معه مشقة، وروى البخاري بإسناده أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان.
بينما ذهب الشافعية والحنابلة في وجه اختاره الإمام الخَطَّابي وغيره إلى جواز الجمع مطلقًا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، حال المطر الذي يشق على المسلم فيه الخروج إلى صلاة الجماعة في كلتا الصلاتين، واشترط الشافعية أن يكون الجمع في هذه الحالة جمع تقديم، خلافًا للإمام الرُّوياني.
قال الإمام النووي الشافعي في روضة الطالبين: يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، بعذر المطر.
وقال الإمام الخطيب الشربيني الشافعي في الإقناع: يجوز للحاضر المقيم في المطر ولو كان ضعيفًا، بحيث يبل الثوب ونحوه، كثلج وبرد ذائبين، أن يجمع ما يجمع بالسفر ولو جمعة مع العصر، خلافًا للروياني في منعه ذلك تقديمًا، في وقت الأولى منهما.
وقال الإمام المَرْداوي الحنبلي في الإنصاف: جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين، وهما روايتان، والوجه الآخر يجوز الجمع كالظهرين، اختاره القاضي وأبو الخطاب والشيخ تقي الدين وغيرهم.
كيفية أداء السنن الرواتب حال الجمع بين الصلاتين
كيفية أداء السنن الرواتب حال الجمع بين الصلاتين جمع تقديم محل خلاف بين الفقهاء، ويرجع سبب هذا الخلاف إلى اختلافهم في حكم اشتراط الموالاة بين الصلاتين عند الجمع بينهما جمع تقديم، ويتفرع عليه اختلافهم في حكم أداء السنن الرواتب بين الصلاتين المجموعتين، والذي يُعد فاصلًا ينفي الموالاة عند من جعلها شرطًا في الجمع.
فذهب المالكية والشافعية في وجه حكاه أبو سعيد الإصطخري وأبو علي الثقفي، والحنابلة في رواية، إلى عدم اشتراط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، فلا يضر الفاصل بينهما ما لم يخرج وقت الأولى، فيجوز أن يأتي بالرواتب بينهما، إلا أن المالكية قالوا بسُنِّيَّة الموالاة بين الصلاتين عند الجمع، وأن الفصل بينهما بالكلام أو السنن والنوافل لا يبطلها، حيث لا وجه للحرمة في ذلك، إلا أنه مكروه عندهم.
قال الإمام خليل المالكي في التوضيح في بيان أحكام الجمع بين الصلاتين: من سُنَّة الصلاة الثانية أن تكون متصلة بالأولى، قال مالك: لا يتنفل بين المغرب والعشاء، قال المازري: وكل صلاتين يجمع بينهما فحكمهما هكذا.
وقال الإمام الدسوقي المالكي في حاشيته على الشرح الكبير: اعلم أن الواقع في النفل يمنع الفصل بين الصلاتين المجموعتين بالنفل، وكذا بالكلام، وقد استظهر شيخنا العدوي أن المراد بالمنع الكراهة في الفصل بكل من النفل والكلام، إذ لا وجه للحرمة.
المختار للفتوى في كيفية أداء السنن الرواتب حال الجمع بين الصلاتين
المختار للفتوى هو القول القائل باشتراط الموالاة بين الصلاتين المجموعتين جمع تقديم، خروجًا من الخلاف وأخذًا بالأحوط، إذ الخروج من الخلاف مستحب، ولأن العبادة إن صحت عند الجميع كانت أفضل مما لو صحت عند طائفة وبطلت عند أخرى، والأخذ بالاحتياط في العبادات أصل؛ كما قاله شمس الأئمة السَّرَخْسِي في المبسوط.
وعليه: فكيفية أداء السنن الرواتب أو غيرها بين الصلاتين، إن أراد المصلي الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، أن يؤدي سنة الظهر القَبْلية، ثم يأتي بالفرضين الظهر والعصر معًا، ثم يأتي بسنة الظهر البعدية، أو أن يؤخر سنة الظهر القَبْلية إلى ما بعد أداء الفرضين، ثم يصلي السنة القَبْلية ثم البعدية وسنة العصر القَبْلية إن أراد بعد الفراغ من الجمع. ولو أراد أن يجمع بين المغرب والعشاء، أخر أداء سنتيهما الراتبة البعدية إلى ما بعد الانتهاء من أدائهما.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: إذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها سواء جمع تقديمًا أم تأخيرًا، وتوسيطها إن جمع تأخيرًا، سواء قدم الظهر أم العصر، وأخر سنتها التي بعدها، وله توسيطها إن جمع تأخيرًا وقدّم الظهر، وأخر عنهما سنة العصر، وله توسيطها وتقديمها إن جمع تأخيرًا، سواء قدم الظهر أم العصر، وإذا جمع المغرب والعشاء أخر سنتيهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرًا أو قدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرًا وقدّم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في تحفة المحتاج عند ذكره لكيفية أداء الرواتب عند الجمع بين الصلاتين جمع تقديم: وكيفية صلاتها أن يصلي سنة الظهر القَبْلية، ثم الفرضين، ثم سنة الظهر البعدية، ثم سنة العصر، وكذا في جمع العشاءين، وخلاف ذلك جائز، نعم لا يجوز تقديم راتبة الثانية قبلهما في جمع التقديم، ولا تقديم بعدية الأولى قبلها مطلقًا.



