البابا لاوُن الرابع عشر: السلام ليس حلمًا بل مسيرة تبدأ بنزع السلاح من القلوب
أصدر البابا لاوُن الرابع عشر بابا الفاتيكان ، ظهر اليوم الخميس، رسالته بمناسبة اليوم العالمي التاسع والخمسين للسلام، تحت عنوان: “السلام لكم جميعًا، نحو سلامٍ مُجَرَّد من السلاح ويُجَرِّد من السلاح”، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة والردع، بل بتغيير القلوب والعقول، وبناء الثقة والحوار بين الشعوب.
ونشرت دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي النص الكامل للرسالة، التي تناول فيها البابا واقع الصراعات العالمية، وسباق التسلّح، وتراجع ثقافة الحوار، داعيًا إلى استعادة البعد الأخلاقي والإنساني في السياسات الدولية.
“السلام لكم”: تحية القيامة ورسالة تغيير للعالم
استهل البابا رسالته بالتأكيد أن تحية المسيح القائم من بين الأموات «السلام لكم» ليست مجرد أمنية، بل قوة قادرة على إحداث تغيير جذري في الإنسان والواقع، مشيرًا إلى أن هذا السلام هو سلام متواضع، مثابر، ومنزوع السلاح، صادر من الله الذي يحب الجميع دون شروط.
وأوضح أن المسيح، الذي هدم الحواجز بين البشر، هو «سلامنا»، وأن حضوره ما زال يتجلى عبر شهود السلام في عالم يعاني من ظلمات الحروب والعنف، في زمن وصفه البابا فرنسيس سابقًا بـ«الحرب العالمية الثالثة المجزّأة».
السلام في مواجهة الخوف والعنف
حذّر البابا من فقدان “النور” والانزلاق إلى تصورات مشوهة للواقع، تُقدَّم أحيانًا على أنها “واقعية”، بينما هي خالية من الرجاء، مشددًا على أن السلام قبل أن يكون هدفًا سياسيًا هو حضور ومسيرة داخل الإنسان.
وأكد أن السلام قادر على مقاومة العنف والانتصار عليه، داعيًا إلى عدم الاستسلام لليأس حتى في الأماكن المدمّرة، لأن سلام المسيح «يعبر الأبواب والحواجز» ويعيد تذكير البشرية بأن الخير هو المنتصر في النهاية.
سلام بلا سلاح… طريق يسوع المختلف
وفي محور “السلام المُجَرَّد من السلاح”، شدد البابا على أن طريق يسوع كان ولا يزال طريق اللاعنف، مستشهدًا بقول المسيح: «اغمد سيفك»، ومؤكدًا أن السلام القائم على السلاح والردع، خصوصًا الردع النووي، يقوم على الخوف لا على العدل والثقة.
وانتقد البابا بشدة تصاعد الإنفاق العسكري عالميًا، مشيرًا إلى أن عام 2024 شهد زيادة بنسبة 9.4% في النفقات العسكرية، لتصل إلى أكثر من 2700 تريليون دولار، محذرًا من أن هذا الاتجاه يعمّق عدم الاستقرار ويهدد مستقبل الإنسانية.
الذكاء الاصطناعي والحروب: مسؤولية أخلاقية غائبة
وتناول البابا التطورات التكنولوجية، ولا سيما استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، محذرًا من “تخفيف المسؤولية الأخلاقية” لدى القادة السياسيين والعسكريين نتيجة الاعتماد المتزايد على الآلات في قرارات تمس حياة البشر وموتهم.
وأكد أن هذا المسار يشكّل خطرًا غير مسبوق على أسس القانون والفلسفة والحضارة الإنسانية، داعيًا إلى تنشيط الضمائر وتعزيز الفكر النقدي في مواجهة المصالح الاقتصادية التي تغذي سباق التسلّح.
نزع السلاح من القلوب قبل الترسانات
في محور “سلام يُجَرِّد من السلاح”، أوضح البابا أن اللطف الإنساني هو أول أشكال نزع السلاح، مستشهدًا بسرّ التجسد الإلهي وولادة المسيح طفلًا في مذود، كعلامة على قوة الضعف وقدرته على تغيير القلوب.
وأشار إلى أن الأديان تتحمل مسؤولية أساسية في مواجهة تحويل الأفكار والكلمات إلى أدوات للصراع، محذرًا من استغلال الدين لتبرير القومية والعنف والحروب.
دعوة إلى الحوار والدبلوماسية وتعزيز القانون الدولي
ودعا البابا إلى تعزيز الحوار المسكوني والحوار بين الأديان، وتنمية الصلاة والحياة الروحية، معتبرًا إياها أدوات حقيقية لبناء السلام. كما شدد على الدور المحوري للدبلوماسية والوساطة والقانون الدولي، منتقدًا الانتهاكات المتكررة للاتفاقيات الدولية.
وأكد أن السلام ليس «يوتوبيا»، بل خيار واقعي يتطلب شجاعة سياسية، وثقافة عدالة تصالحية، ومجتمعات مدنية واعية قادرة على مقاومة اليأس ونشر الرجاء.
يوبيل الرجاء ورسالة للمستقبل
واختتم البابا رسالته بالتأكيد أن يوبيل الرجاء يشكّل فرصة تاريخية لنزع السلاح من القلوب والعقول، مجددًا ثقته في وعد الله بعالم لا تُرفع فيه السيوف ولا تُتعلّم فيه الحرب، بل يسير فيه البشر معًا «في نور الرب»، كما جاء في نبوءة إشعياء.



