في واقعة الحاج في المترو، خاطبوا الناس على قدر عقولهم، فلا يمكننا المساواة بين المثقف والجاهل، والجهل هنا لايعني انعدام التعليم بقدر مايعني جهل الثقافة واختلاف القيم والمبادئ والرؤى فلا يمكننا المساواة بين جاهل لا يعرف حدوده ومثقف يدرك واجباته قبل حقوقه.
الجهل هنا لا يعني غياب التعليم، بل غياب الثقافة؛ غياب الوعي بالحدود، وبالحقوق المتبادلة، وبفكرة أن حريتك تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين. لا يمكن مساواة مثقف يعرف واجباته قبل أن يطالب بحقوقه، بآخر يجهل حدوده، فينصب نفسه وصيًا على الأجساد، والملابس، والأفكار، بل والحياة الخاصة للناس.
وطالما ظل الجهل حاضرًا، ستبقى سرقة ميراث المرأة «حقًا»، وضربها «تأديبًا»، وقتلها «غسل عار»، واقتحام خصوصية الآخرين «نصيحة»، والتدخل في اختياراتهم «أمرًا بالمعروف». سيظل الجهلاء يزايدون على المختلفين عنهم في اللبس، والفكر، والعقيدة، والرؤى، والأحلام، باسم الفضيلة تارة، وباسم التقاليد تارة أخرى، بل ويهدرون دمائهم أحيانًا.
أنا لا ألوم ذلك الرجل العجوز، أقدر تمامًا طبيعة مرحلته العمرية، والبيئة التي نشأ فيها، والخلفية الثقافية التي تشكلت عبر عقود طويلة. لكن اللوم الحقيقي يقع على من يفترض أنهم مثقفون، وعلى من يعملون في مهن تتصل بالرأي العام، ثم يبررون هذا الفكر أو يمنحونه شرعية زائفة بدعوى «احترام الكبار» أو «خصوصية المجتمع».
تلك الواقعة أعادت إلى ذهني موقفًا مؤلمًا، لكنه بالغ الدلالة. مديرٌ يسمح لنفسه بالتدخل في طريقة جلوس وملابس الزميلات العاملات معه. لم يقف عند حدود العمل، بل امتدت وصايته إلى حياتهن الخاصة. بلغ به الأمر أن يوبخ إحداهن علنًا خلال ندوة عامة قائلاً: «اقعدي كويس»، لمجرد أنها وضعت قدمًا فوق الأخرى، في مكان عام، وأمام صفوف من الحضور، رغم أنها كانت تجلس في صف في المنتصف يسبقها صفوف وخلفها صفوف. تعليق فج، يعكس مستوى ثقافيًا متدنيًا، ومحاولة فجة لفرض السيطرة باسم السلطة لا الأخلاق.
لولا وعي الزميلة بطبيعة البيئة التي جاء منها هذا المدير، وبمستوى الخطاب الذي يتحرك داخله، لكان الرد مختلفًا، وربما أكثر حسمًا. لكنها اختارت ضبط النفس، لا احترامًا لتدخله، بل إدراكًا لحدود عقله، لا لحدود حقها.
وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة: حين يطالب الضحية دومًا بالفهم، بينما يمنح المعتدي أعذارًا جاهزة. وحين تُحمل المرأة عبء الحكمة، بينما يترك الجهل يتحدث بثقة، ويُكافأ بالصمت أو التبرير.
فالجهل لا يقاس بالمظهر، كما أن الثقافة لا تكتسب بالمنصب، ولا بالملابس، ولا بالوسامة، ولا حتى بالتواجد داخل محيط يحسب على النخبة. يعرف الجاهل بأفكاره قبل أي شيء آخر، وتقاس درجة رقي الإنسان بمدى حكمته، والتزامه بحدوده، واحترامه لحقوق الآخرين، لا بقدرته على إلقاء المواعظ أو فرض الوصاية. وهناك فارق شاسع بين مثقف تشكلت رؤيته عبر وعي نقدي وتجربة معرفية حقيقية، وبين من يدعي الثقافة لمجرد عمله وسط مثقفين، أو تردده على دوائر تحسب اجتماعيًا على النخبة، بينما يظل فكره أسير تصورات بدائية لا تعترف بالحرية ولا بالتعدد.
واجب مهنتنا، وواجب كل من يتصدر المشهد العام، هو تشكيل الوعي، لا إعادة إنتاج التطرف الفكري. إذا كانت هويتك الثقافية لا تسمح لك باحترام الاختلاف، أو قبول الآخر، أو الفصل بين قناعاتك الشخصية وحقوق الناس، فلا تمنح نفسك حق امتهان مهنة جوهرها الرأي، وقيمتها الأساسية التعددية، والحرية، والكرامة الإنسانية.
الدفاع عن المرأة ليس ترفًا، والدفاع عن الحريات الشخصية ليس خروجًا على القيم، بل هو الحد الأدنى لبناء مجتمع يعرف فيه كل إنسان حدوده، قبل أن يتطاول على حدود الآخرين، لخلق مجتمع آمن يسوده الاستقرار والسلام.
الإخوان لم يكسبوا يومًا بالوعي، بل بالجهلاء والمتعاطفين مع الجهل. بالمزايدة الأخلاقية، وبالوصاية على الناس، وبالخلط المتعمد بين الدين والسلوك، وبين القيم والسلطة.
المبادئ لا تتجزأ؛ من يدافع عن الوصاية اليوم، سيسكت غدًا عن الظلم، ومن يبرر انتهاك حرية امرأة، لن يتردد في تبرير انتهاك وطن.
التعاطف مع الخطأ لا يحوله إلى حق، واحترام الكِبر لا يعني شرعنة التعدي. الدفاع عن الحرية لا يُنتقى حسب الأشخاص، بل يُمارس كاملًا أو لا يُمارس أصلًا.