لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية حدثا مفاجئا لمن يتابع مسار العلاقة الأمريكية مع التنظيم خلال السنوات الماضية وبدا القرار ، في جوهره، امتدادا لمحاولات قديمة ظلت تتراكم داخل مؤسسات الحكم في واشنطن، سواء في عهد ترامب الأول أو خلال عودته إلى البيت الأبيض، ويمكن القول إن اللحظة التي أعلن فيها الاتجاه نحو التصنيف لم تكن نقطة بداية بقدر ما كانت نقطة تتويج لمسار طويل من الشكوك و التقييمات الأمنية التي دارت حول الجماعة داخل الأوساط الأمريكية، خاصة مع تنامي الحديث عن مخاطر الفكر المتطرف وتأثيره على الأمن الداخلي.
من المهم أن نفهم أن الإدارة الأمريكية – أي إدارة – لا تتخذ قرارا من هذا النوع فجأة حيث تبني تلك القرارات على تراكم معلومات، وضغوط سياسية، ونقاشات داخلية، وصراعات بين مؤسسات الأمن القومي، الخارجية، والكونغرس و في حالة الإخوان، كان هناك دائما جناح داخل الدولة الأمريكية يرى أن الجماعة تمثل تهديدا حقيقيا، ليس فقط بسبب ارتباطات بعض فروعها بأعمال عنف خارجية، ولكن أيضا بسبب قدرتها على بناء شبكات نفوذ داخل المجتمعات المحلية، و التغلغل في مؤسسات مدنية تبدو “ناعمة” لكنها قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
ترامب، بحكم أفكاره المحافظة و تحالفاته السياسية، كان أكثر استعدادا للاستماع لهذا الجناح والرجل لم يخفي يوما رؤيته المتشددة تجاه الجماعات الإسلامية السياسية، وكان مقتنعا بأن الفكر الذي تعتمد عليه الإخوان هو البذرة الأولى للتطرف، وأن الفصل بين “الفكر” و“الفعل” ليس منطقيا، لأن الفكر نفسه هو الذي يولد خطابا يشرعن العنف ويغذيه، لذلك، حين بدأ الحديث مجددا خلال ولايته الحالية عن وضع الجماعة على قوائم الإرهاب، بدا واضحا أنه ليس مجرد إعلان سياسي بقدر ما هو تطور طبيعي لمنطق يتبناه منذ سنوات.
ما يلفت الانتباه في الخطوات الأخيرة هو أنها جرت داخل أمريكا نفسها، وليس فقط في سياق السياسة الخارجية و هناك إدراك متزايد داخل الأجهزة الأمنية بأن الجماعة لا تتحرك ككيان سياسي عادي، و إنما كتنظيم عابر للحدود، يمتلك قدرة على تغيير شكله وهويته حسب البيئة التي يعمل فيها، في الشرق الأوسط، يظهر بشكل صريح كتنظيم سياسي ذي مرجعية دينية، أما في الغرب يتقمص شكلا مدنيا معتدلا، يتحدث عن التعايش وحقوق الإنسان، لكنه يحتفظ بالبنية الفكرية ذاتها التي خرجت منها الجماعات الأكثر تطرفا.
هذا التناقض هو ما دفع المؤسسة الأمنية الأمريكية إلى إعادة قراءة المشهد فبينما كانت بعض الإدارات السابقة ترى أن إدماج الإخوان في العملية السياسية قد يحد من التطرف، بدأت تقارير جديدة تظهر أن الجماعة تستخدم هذا الإدماج كغطاء أوسع للتأثير، وأن خطاب الاعتدال ليس دائمًا سوى أداة للحصول على الشرعية و الموطئ، بينما تبقى الأفكار الجوهرية كما هي: مشروع سياسي ديني لا يؤمن بالدولة المدنية الحديثة بشكلها الكامل، ويتعامل مع الديمقراطية كوسيلة لا كغاية.
ترامب استغل هذا التحول في القراءة الأمنية ليعيد طرح ملف التصنيف بقوة فهو يعرف جيدا أن مثل هذا القرار يرضي قاعدة واسعة من أنصاره، لكنه أيضا يعرف أنه يجد دعما من دول في الشرق الأوسط تعتبر الجماعة تهديدا وجوديا، وأن تمرير القرار داخل واشنطن يمنحه أوراقا إضافية في علاقاته الخارجية، بكلمات أبسط، القرار له أبعاد داخلية وخارجية في الوقت نفسه، ويحقق مكاسب سياسية وأمنية للإدارة.
لكن بعيدا عن الحسابات السياسية، يبقى السؤال الأهم: لماذا الآن؟ الإجابة تتعلق بتطور البيئة الأمنية العالمية وفي السنوات الأخيرة، صار الحديث عن “التطرف الناعم” أكثر حضورا في النقاشات الجادة حول الأمن القومي و هذا النوع من التطرف لا يحمل السلاح مباشرة، لكنه يؤسس له فكريا، ويهيئ له اجتماعيا، ويخلق حالة ذهنية تسهل تجنيد الأفراد نحو العنف وكثير من الدراسات الأمريكية ربطت بين خطاب الإخوان وبين تشكل بيئة خصبة تنتج لاحقا تيارات أكثر تشددا ومن هنا بدا التصنيف خطوة منطقية في نظر المؤسسات التي ترى أن مكافحة التطرف لا تبدأ عند الإرهاب المسلح، بل عند الفكرة التي تمهد الطريق إليه.
إضافة إلى ذلك، هناك إدراك متزايد بأن الجماعة لديها قدرة عالية على استخدام آليات الديمقراطية لخلق مساحات نفوذ داخل المجتمعات الغربية، عبر بناء مؤسسات خيرية وتعليمية ومساجد ومراكز أبحاث، تتحول تدريجيا إلى أدوات تأثير سياسي و هذا النوع من التمدد يقلق الدول الغربية لأنه في النهاية يصنع مجتمعا موازيا قد يبتعد عن القيم التي تقوم عليها الدولة، ويتحول إلى كتلة صلبة مغلقة على نفسها، لذلك، لم يكن غريبا أن تتبنى الإدارة الأمريكية خطابا أكثر صرامة تجاه الإخوان خلال الفترة الأخيرة.
من زاوية أخرى، القرار يحمل رسالة واضحة للجماعة نفسها: أن محاولات إعادة تقديم الذات كتنظيم “معتدل” لم تعد مقنعة العالم تغير، والتجارب أثبتت أن خطاب الجماعة العلني شيء، وممارساتها وأفكارها الداخلية شيء آخر والرأي العام الأمريكي – رغم أنه بعيد عن تفاصيل الشرق الأوسط – أصبح أكثر حساسية لأي تنظيم له مرجعية أيديولوجية تستثمر سياسيا.
وفي النهاية، سواء اتفق البعض مع الخطوة أو اختلفوا، يبقى واقعا أن الإدارة الأمريكية تحاول إعادة رسم حدود جديدة للأمن القومي والملف الخاص بجماعة الإخوان جزء مهم من هذه الحدود، القرار ليس فقط شأنا سياسيا، بل محاولة لحسم نقاش ظل طويلا مفتوحا حول طبيعة الجماعة وموقعها في خريطة التنظيمات ذات الصلة بالتطرف ويمكن القول بقدر كبير من الثقة إن هذه الخطوة ستفتح بابا جديدا لتحولات أكبر في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع التنظيمات العابرة للحدود، وتحديدا تلك التي تعتمد على خطاب ديني سياسي قادر على المناورة والتكيف.
هذا المسار – سواء اكتمل أم لا – يعكس نقطة تحول في فهم واشنطن لطبيعة الجماعة، ليس باعتبارها حزبا سياسيا، بل كحركة أيديولوجية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من السياسة المباشرة، وتصل إلى عمق الأمن الفكري والاجتماعي داخل الولايات المتحدة نفسها.