تحوّل استراتيجي تجاه المؤسسات المالية الدولية.. أمريكا لا ترحل بل تعيد التشكيل

شهدت الآونة الأخيرة تصاعد للمخاوف حول احتمالية انسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات الدولي؛ فبعد خروجها من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، أصبح الأمر أكثر وضوحًا مع إدارة أمريكا الجديدة بقيادة ترامب؛ ففي 4 فبراير 2025، أمر ترامب بمراجعة شاملة مدتها 180 يومًا لكل المنظمات الدولية التي تنتمي إليها الولايات المتحدة أو تدعمها، بالإضافة إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي هي طرف فيها، هذا التوجيه يتوافق تمامًا مع أهداف “مشروع 2025” الذي يرفض دور هذه المؤسسات كوسيط للتمويل الأمريكي.
ووفقًا للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، بين عامي 1944 و2024، عززت الولايات المتحدة دورها كقائد في النظام الاقتصادي العالمي من خلال مساهمتها بمبلغ 9.2 مليار دولار في رأس المال المدفوع للبنوك التنموية متعددة الأطراف، هذا الاستثمار الاستراتيجي مكّن هذه المؤسسات من توفير أكثر من 2.4 تريليون دولار في صورة التزامات تمويلية.
على الرغم من دعوات الانسحاب، يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة قد اختارت مسارًا مختلفًا؛ فبدلًا من التخلي عن هذه المؤسسات، يُظهر تقرير المجلس الاستشاري الوطني للسياسات النقدية والمالية الدولية إلى الكونغرس -الصادر في يوليو لعام 2025 – تحولًا استراتيجيًا نحو إعادة تعريف العلاقة مع تلك المؤسسات الدولية، والذي يكون بمثابة إعلان رسمي بأن الإدارة الأمريكية الجديدة لن تتخلى عن أدواتها، بل ستعمل على إعادة تشكيلها لخدمة أجندة “أمريكا أولاً” بشكل أكثر فعالية، مما يضمن استمرار ريادتها في النظام المالي العالمي.
يُعدّ هذا التقرير وثيقة سنوية إلزامية تُصدرها وزارة الخزانة الأمريكية استجابةً لمتطلبات تشريعية محددة في عدة قوانين أمريكية، الهدف الرئيسي هو إطلاع الكونغرس على تفاصيل مشاركة الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، بما في ذلك: تقييم فعالية استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، مع بيان كيفية عمل الإدارة الأمريكية على تحقيق المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة من خلال هذه المؤسسات، وتقييم مدى التزام المؤسسات بالمعايير الأمريكية مثل الشفافية، ومكافحة الفساد، والحوكمة الجيدة.
ببساطة، هذا التقرير هو بمثابة أداة رقابية تسمح للكونغرس بتقييم مدى توافق السياسات الأمريكية في المؤسسات الدولية مع الأجندة الوطنية، وهو ما يعكس التغير في أولويات الإدارة الحالية التي تضع “أمريكا أولاً” في مقدمة سياساتها الخارجية والاقتصادية.
يغطي هذا التقرير الفترة من يناير 2024 حتى ديسمبر 2024 وينظر في آفاق عام 2025 للمؤسسات المالية الدولية التالية: صندوق النقد الدولي، وبنوك التنمية متعددة الأطراف (MDBs)، بما في ذلك مجموعة البنك الدولي، ومجموعة بنك التنمية الأفريقي، وبنك التنمية الآسيوي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، ومجموعة بنك التنمية للبلدان الأمريكية، وبنك التنمية لأمريكا الشمالية، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية.
أولا: صندوق النقد الدولي:
تمتلك الولايات المتحدة حصة قدرها 17.4% في صندوق النقد الدولي، وهي أكبر حصة تليها الصين، ثم اليابان، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وبصفتها أكبر مساهم منذ توقيع اتفاقية بريتون وودز في عام 1944، استخدمت الولايات المتحدة موقعها ونفوذها لتشكيل أولويات سياسة الصندوق واتجاهه الاستراتيجي.
في إطار أجندة “أمريكا أولاً”، تهدف وزارة الخزانة إلى تعزيز هذا الدور القيادي لضمان أن يخدم صندوق النقد الدولي مصالح دافعي الضرائب الأمريكيين بشكل مباشر، فتمويل الصندوق يلعب دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد العالمي، مما يعود بالازدهار على العمال والشركات الأمريكية من خلال الحد من حدة الأزمات الاقتصادية في الخارج.
وفي عام 2025، ستركز وزارة الخزانة جهودها على إعادة الصندوق إلى أساسياته، بما يتماشى مع التزامها بالريادة، ستعمل الوزارة مع الكونغرس لطلب التفويض والاعتمادات اللازمة لـ المراجعة العامة السادسة عشرة للحصص. كما ستسعى لإجراء إصلاحات هادفة عبر المراجعة الشاملة للمراقبة ومراجعة تصميم البرامج والاشتراطات. بالإضافة إلى ذلك، ستواصل وزارة الخزانة العمل مع الصندوق بشأن مراجعة إطار استدامة الديون للبلدان منخفضة الدخل. يمكن تلخيص أبرز تحركات الإدارة الأمريكية تجاه صندوق النقد الدولي في عام 2025 في النقاط التالية:
إعادة تركيز صندوق النقد الدولي على مهامه الأساسية، لضمان أن يخدم المصالح الأمريكية بفعالية. وتعتبر هذه الأولوية أساسية لضمان عدم توسيع نطاق عمل الصندوق ليشمل قضايا لا تتعلق بالمهام الأساسية له مثل قضايا المناخ أو التغيرات الاجتماعية.
ثانيًا: تعزيز شفافية الديون ومواجهة النفوذ الصيني؛ تسعى وزارة الخزانة الأمريكية إلى تحويل صندوق النقد الدولي إلى أداة فعالة لمواجهة النفوذ المتنامي للصين. يتم ذلك من خلال الضغط على الصندوق لتطبيق معايير أكثر صرامة على شفافية الديون، خاصة تلك التي تقدمها الصين للدول النامية. وترى الولايات المتحدة أن القروض الصينية غالبًا ما تكون غير شفافة، مما يترك الدول المدينة عرضة للضغوط المالية والسياسية.
تنفيذ إصلاحات جوهرية في آليات عمل الصندوق؛ تركز الإدارة الأمريكية على إجراء إصلاحات حقيقية في آليات عمل الصندوق لجعله أكثر فعالية وكفاءة، وتشمل هذه الإصلاحات مراجعات شاملة لسياسات الصندوق:
المراجعة العامة للحصص (GRQ 16th)؛ والتي تهدف إلى زيادة حصص جميع الأعضاء بنسبة 50% مما يجعل الصندوق أقل اعتمادًا على الموارد المقترضة، وتُعدّ هذه المراجعة خطوة حاسمة لضمان استمرار نفوذ الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي – فبموافقة الكونغرس – ستتمكن واشنطن من المشاركة في الزيادة التي أقرتها الدول الأعضاء في ديسمبر 2023، هذا التغيير الاستراتيجي يهدف إلى تقليص نفوذ كبار المقرضين الآخرين، وعلى رأسهم الصين، التي تُعد ثاني أكبر مقرض. ومن خلال هذه المراجعة، تضمن الولايات المتحدة الحفاظ على مكانتها كأكبر مساهم في الصندوق وتعزز سيطرتها على قراراته المستقبلية.
المراجعة الشاملة للمراقبة (CSR): تهدف هذه المراجعة إلى تحسين جودة وتأثير مراقبة الصندوق للاقتصادات العالمية، وحماية النظام المالي الدولي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي من خلال وظائفه الرئيسية الثلاث: المراقبة، والإقراض، والمساعدة الفنية.
المراقبة تحدد مراقبة الصندوق المخاطر وتوصي بالسياسات التي تساهم في النمو الاقتصادي المستدام والاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي، مما يقلل من الأزمات.
التمويل؛ يلعب تمويل صندوق النقد الدولي دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد العالمي وازدهار العمال الأمريكيين والأسر والشركات من خلال الحد من شدة الأزمات الاقتصادية في الخارج.
المساعدة الفنية؛ يكمل الصندوق تمويله ومراقبته بالتحليل المتخصص والمشورة الفنية ويساعد الحكومات على بناء القدرات لتحسين كفاءة وفعالية السياسات، إن الجمع بين تمويل الصندوق والمشورة السياسية يساعد في دعم النمو الذي يقوده القطاع الخاص والذي يمكن أن يخلق فرصًا استثمارية وأسواق تصدير للشركات الأمريكية.
مراجعة تصميم برامج التمويل والاشتراطات؛ تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان أن تكون برامج الإقراض في الصندوق مصحوبة باشتراطات Conditionality قوية وواقعية تشجع على الإصلاحات الاقتصادية الجذرية، بدلاً من تقديم حلول قصيرة الأجل؛ خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد وشفافية الديون.
مراجعة إطار استدامة الديون للبلدان منخفضة الدخل (LIC-DSF) ؛ سيواصل المجلسان التنفيذيان لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي النظر في قضايا السياسة المتعلقة بالديون كجزء من مراجعة شاملة لإطار استدامة الديون للبلدان منخفضة الدخل، وهي أداة لتقييم نقاط الضعف في الديون وتوجيه قرارات الاقتراض والإقراض للأعضاء.
ثانيا: التوجهات الأمريكية تجاه البنوك التنموية متعددة الأطراف (MDBs):
وقد أشار التقرير أن البنوك التنموية متعددة الأطراف تقدم مجموعة من الفوائد الملموسة للشعب الأمريكي؛ عبر دعمها للمشاريع والإصلاحات السياسية والتنظيمية بما يساعد في دفع النمو الاقتصادي الذي يقوده القطاع الخاص وتنمية القطاع الخاص، مما يوسع الأسواق للمصدرين الأمريكيين، ويفيد الشركات الأمريكية مباشرة من خلال تمويل التجارة، ويزيد فرص الاستثمار الأمريكي، ويخلق فرصًا للشركات الأمريكية لتوريد السلع والخدمات للمشاريع الممولة من قبل هذه البنوك، وللمؤسسات المالية الأمريكية للمشاركة في تمويل تلك المشاريع، لذا يمكن أن يكون العمل مع البنوك التنموية متعددة الأطراف خط عمل هامًا للشركات والمؤسسات المالية الأمريكية.
وفي المقابل، فإن دعم هذه البنوك يعزز الاعتماد الاقتصادي الذاتي للبلدان النامية، وتعمل هذه البنوك على منع الأزمات والاستجابة لها، بما في ذلك الأزمات الاقتصادية والمالية، وحالات الطوارئ الصحية، والصراعات العنيفة (من خلال إعادة الإعمار بعد الصراع)، مما يساعد على حماية الاقتصاد الأمريكي والأمن القومي من التداعيات المحتملة ويقلل من الحاجة إلى المساعدة الإنسانية الأكثر تكلفة.
وتعمل جهود البنوك التنموية متعددة الأطراف للحد من الفقر، ومعالجة الأمن الغذائي والطاقة، والهشاشة، وتداعيات الكوارث الطبيعية، وتحفيز النمو والاستقرار، على تقليل خطر التطرف والجريمة وضغوط الهجرة. بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه البنوك للبلدان بديلاً شفافًا ومسؤولًا ومستدامًا للتمويل بدلا من تقديم تمويل غير شفاف من الصين، مما يقلل من قدرة الصين على السعي لتحقيق أجندة دولية تتعارض مع المصالح الأمريكية.
بين عامي 1944 و2024، عززت الولايات المتحدة دورها كقائد في النظام الاقتصادي العالمي من خلال مساهمتها بمبلغ 9.2 مليار دولار في رأس المال المدفوع للبنوك التنموية متعددة الأطراف، هذا الاستثمار الاستراتيجي مكّن هذه المؤسسات من توفير أكثر من 2.4 تريليون دولار في صورة التزامات تمويلية.



مما سبق يمكن تلخيص التوجهات الأمريكية الرئيسية تجاه هذه البنوك في عام 2025 في عدة نقاط محورية:
1. إعادة التركيز على المهام الأساسية
ترغب الإدارة الأمريكية في إعادة تركيز البنوك التنموية متعددة الأطراف على مهامها الأصلية المتمثلة في الحد من الفقر ودفع عجلة النمو الاقتصادي. وهي ترى أن هذه المؤسسات قد توسعت في أجندتها لتشمل قضايا “أيديولوجية” خارج نطاقها الأساسي، مثل تغير المناخ وقضايا النوع الاجتماعي. لذلك، ستدعو الولايات المتحدة إلى تبني نهج شامل للطاقة يركز على القدرة على تحمل التكاليف ويدعم التنمية الاقتصادية، بما في ذلك الاستثمار في مصادر الطاقة التي كانت تُستبعد سابقاً.
2. تعزيز الشفافية ومواجهة نفوذ الخصوم
تعتبر الولايات المتحدة أن هذه البنوك أداة مهمة لمواجهة النفوذ المتزايد للخصوم الاستراتيجيين، وخاصة الصين، وتسعى الإدارة الأمريكية إلى ضمان أن تكون الممارسات المالية لهذه المؤسسات شفافة وتقدم بديلاً ذا جودة عالية للتمويل الصيني الذي يوصف بأنه مبهم وغير مستدام. وتشمل التحركات الأمريكية في هذا الصدد:
وقف التمويل للصين: ستواصل الولايات المتحدة الضغط على البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) وبنك التنمية الآسيوي (AsDB) لإنهاء الدعم المالي للصين، لتحرير الموارد لصالح الدول الأكثر فقرًا.
تعزيز الشفافية في المشتريات؛ المطالبة باستخدام نهج القيمة مقابل المال في المشتريات الدولية، وزيادة تدقيق مشاركة الشركات المملوكة للدولة، ومنع الشركات التي دعمت المجهود الحربي الروسي من الفوز بعقود إعادة إعمار أوكرانيا.
تنويع سلاسل التوريد؛ ستدعم الولايات المتحدة جهود البنوك التنموية لتوسيع سلاسل توريد المعادن الهامة خارج الصين، بهدف تحسين أمن الطاقة والمعادن.
3. إصلاحات الحوكمة والفعالية
تسعى الولايات المتحدة إلى إجراء إصلاحات هيكلية في البنوك التنموية لتعزيز كفاءتها وفعاليتها، وتشمل هذه الإصلاحات ما يلي:
تحسين المساءلة؛ ستدعم الولايات المتحدة تحديث وتزويد وحدات المساءلة بالموارد الكافية، لضمان المساءلة والشفافية.
تنمية القطاع الخاص الأمريكي؛ ستعمل واشنطن على توجيه استراتيجيات البنوك، مثل استراتيجية مؤسسة التمويل الدولية (IFC) “رؤية 2030”، لزيادة حشد رأس المال الخاص وتوسيع الفرص أمام الشركات الأمريكية.
السيطرة على النفقات؛ ستدعو الولايات المتحدة إلى كبح نمو الميزانيات والرواتب داخل هذه المؤسسات.
المحافظة على الحصص؛ ستشارك الولايات المتحدة في زيادة رأس المال الاحتياطي في بنك التنمية الأفريقي للحفاظ على حصة مساهمتها وتجنب تضاؤل نفوذها لصالح المنافسين الاستراتيجيين.
مما سبق يتضح لنا؛ تتبنى الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديدًا إدارة ترامب، نهجًا يعيد تعريف دور الولايات المتحدة في المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، بالتركيز على مبدأ “أمريكا أولاً”؛ يختلف هذا النهج عن السياسات التقليدية السابقة التي كانت تدعم الأهداف العالمية لتلك المؤسسات.
ترى الإدارة الجديدة أن هذه المؤسسات يجب أن تخدم بشكل مباشر المصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة، ولهذا، تسعى إلى إعادة تركيز الصندوق على مهامه الأصلية المتعلقة بالاستقرار المالي الكلي، والسياسات النقدية والمالية، مع الابتعاد عن القضايا التي تعتبرها “مشتتة أيديولوجيًا” مثل تغير المناخ وقضايا النوع الاجتماعي، كما تستغل الولايات المتحدة، بصفتها أكبر مساهم، موقعها لمواجهة النفوذ المتزايد للخصوم، مثل الصين، التي يُنظر إلى قروضها على أنها غير شفافة وغير مستدامة.
تفرض تلك التحولات في السياسة الأمريكية تجاه المؤسسات المالية الدولية تحديات جديدة على الدول المتعاملة معها، ومن بينها مصر؛ ففي ظل انخراطها العميق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سواء في تطبيق برامج إصلاح اقتصادي، أو التعاون الفني، لذا يجب على المفاوض المصري أن يولي اهتمامًا خاصًا بهذه التغييرات، حيث يُعدّ فهم الأجندة الأمريكية الجديدة، التي تركز على خدمة المصالح الأمريكية في المقدمة وتعزيز القطاع الخاص الأمريكي ورفاهية المواطن الأمريكي، مقابل كبح النفوذ الصيني خطوةً حاسمة، لذا يتوجب على مصر أن تتبنى استراتيجية تفاوضية مرنة ومدروسة تستوعب هذه الأولويات، وتوظفها لصالحها.