عاجل

منذ قرون طويلة، لم يكن النمو الاقتصادي العالمي يتجاوز حدودًا ضيقة بالكاد تُذكر. فحتى عام 1700، لم يزد متوسط نمو الناتج العالمي عن 0.1% سنويًا. ومع الثورة الصناعية، تبدلت الصورة كليًا وقفز المتوسط إلى 2.8% خلال القرن العشرين، فاتحًا الباب أمام طفرة غير مسبوقة في الإنتاجية.

واليوم، يقف العالم على أعتاب ثورة جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي، قد تكون أعظم من الثورة الصناعية نفسها. تقرير حديث لمؤسسة ماكينزي يؤكد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) يتطور بسرعة تفوق التوقعات، ومن المتوقع أن يضيف ما بين 2.6 إلى 4.4 تريليون دولار سنويًا للاقتصاد العالمي، مع إمكانية إعادة تشكيل 25% إلى 33% من الوظائف خلال العقد المقبل.

وتؤكد تقارير مؤسسات أخرى على التأثير الكبير لهذه التكنولوجيا ، فقد حذرت جولدمان ساكس من أن حوالي 300 مليون وظيفة حول العالم معرضة للاستبدال أو التغيير بفعل الذكاء الاصطناعي، بينما يرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن التأثير مزدوج: نحو 83 مليون وظيفة ستختفي، لكن في المقابل سيجري خلق حوالي 69 مليون وظيفة جديدة تتطلب مهارات مختلفة.

الاقتصاد المصري بين الفرص والتحديات

الطفرة الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي جعلته أحد أهم محركات الابتكار الاقتصادي والتكنولوجي عالميًا، ومع دخول مصر هذا السباق، أصبح من الضروري دراسة الفرص والتحديات التي تواجه الدولة في هذا المجال الحيوي.

الفرص:

توفر الثورة الرقمية لمصر فرصة لتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة وزيادة كفاءة القطاعات المختلفة مثل الصحة، الزراعة، التعليم، والخدمات الحكومية. من أبرز المبادرات المصرية:
​•​إنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي 2019 ووضع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2021.
​•​إطلاق برامج تدريبية لبناء القدرات البشرية وزيادة عدد المتخصصين في المجال.
​•​تطوير مركز الابتكار التطبيقي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي والزراعي والخدمات اللوجستية.
​•​إصدار الميثاق المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول 2023 لضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا بما يتوافق مع قيم المجتمع المصري.

وقد أثمرت هذه الجهود عن تحسن ترتيب مصر في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي من المركز 111 عالميًا عام 2019 إلى المركز 65 عام 2024، مما يعكس التقدم الكبير في استراتيجيات الدولة واستثمارها الذكي في هذا المجال.

التحديات:

رغم الفرص الكبيرة، تواجه مصر عدة تحديات في تبني الذكاء الاصطناعي:
​•​الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
​•​نقص الكوادر المتخصصة والمهارات التقنية المطلوبة لتطبيق التكنولوجيا بشكل فعال.
​•​ضرورة وجود تشريعات واضحة وتنظيمات تضمن الاستخدام الآمن والأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

ومع إطلاق الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، تستهدف مصر تدريب 30 ألف متخصص، دعم 250 شركة ناشئة، وتمكين 26% من القوى العاملة من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لتعزيز الابتكار ودعم التحول الرقمي الشامل في الدولة.

التعليم وإعادة التأهيل: مفتاح المستقبل

التحدي الأكبر لمصر ليس فقط في خلق وظائف جديدة، بل في قدرة المجتمع على إعادة تعريف مفهوم العمل. فالذكاء الاصطناعي لا يهدد فقط الوظائف اليدوية أو الروتينية، بل يمتد إلى مجالات معرفية وإدارية مثل المحاسبة، القانون، وحتى التعليم.

لذلك  تحتاج مصر إلى استراتيجية شاملة ترتكز على:
​.​تطوير المناهج التعليمية لإدماج مهارات المستقبل كالبرمجة والتحليل النقدي.
​.​برامج تدريب مستمرة لإعادة تأهيل العاملين في المهن التقليدية.
​.​تشجيع الاستثمار في الشركات الناشئة التي توظف الذكاء الاصطناعي محليًا بدلًا من استيراد الحلول

خاتمه : الشباب وقود الثورة الرقمية

الشباب هم قلب الثورة الرقمية ومستقبل مصر في عصر الذكاء الاصطناعي. ليس فقط بوصفهم مستخدمين للتكنولوجيا، بل كمبتكرين ومبدعين قادرين على إعادة تعريف الاقتصاد والعمل والحياة اليومية. الاستثمار في مهاراتهم، وتحفيزهم على الابتكار، وتمكينهم من أدوات الذكاء الاصطناعي، يعني استثمار مصر في مستقبلها. كل فكرة جديدة، وكل مشروع مبتكر، وكل شاب متعلم ومؤهل هو خطوة نحو أن تصبح مصر نموذجًا إقليميًا وعالميًا للتميز الرقمي. فالشباب اليوم هم الذين سيكتبون قصة نجاح الغد ويصنعون اقتصاد المعرفة الذي نحلم به جميعًا

تم نسخ الرابط