تراجع المواليد في مصر.. بين ضغوط المعيشة وفرص التنمية

تشهد مصر في تحولًا لافتًا مع تراجع معدلات المواليد إلى أقل من مليوني مولود في عام 2024، في أدنى مستوى منذ 17 عامًا، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
هذا الانخفاض الذي ارتبط بارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أنماط الأسر المصرية، يطرح أبعادًا مزدوجة؛ فبينما يرى خبراء أن تراجع النمو السكاني يخفف الضغوط على سوق العمل والبنية التحتية، يحذر آخرون من تداعياته على القوة العاملة والصناعة. وبين الإيجابيات والسلبيات، يبقى التحدي في كيفية تحويل هذا التحول إلى فرصة لتعزيز الاستثمار في التعليم، وتنمية رأس المال البشري، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

أكد الدكتور محيي عبدالسلام، الخبير الاقتصادي، أن تراجع معدلات المواليد في مصر له جوانب إيجابية وأخرى سلبية، موضحًا أن الجانب الإيجابي يتمثل في انخفاض الضغوط على سوق العمل مستقبلًا، بما يتيح توفير فرص عمل أقل، وبالتالي تراجع معدلات البطالة وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي.
وأضاف "عبدالسلام" في تصريح خاص لـ"نيوز رووم "، أن الجانب السلبي يتمثل في تقلص حجم القوة العاملة، في وقت تحتاج فيه مصر إلى تعزيز الصناعة التي تقوم على توافر الأيدي العاملة الشابة، مشيرًا إلى أن ما يميز مصر هو امتلاكها عمالة رخيصة وماهرة في آن واحد، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية مهمة خاصة مع توجه الدولة لزيادة الإنتاج الصناعي وتقليص فجوة الاستيراد.
الاستفادة من انخفاض المواليد
وشدد عبدالسلام على ضرورة الاستفادة من انخفاض المواليد عبر إعادة توجيه الاستثمارات نحو التعليم والبحث العلمي وتطوير مهارات القوى العاملة بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في مجالات التكنولوجيا والصناعات الحديثة، بهدف تحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومستدامة.
مؤشر اقتصادي يتطلب تنمية لرأس المال البشري

أكد الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي، أن مصر سجّلت في 2024 أقل من مليوني مولود جديد، للمرة الأولى منذ 17 عامًا، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهو انخفاض بنسبة 3.8% عن عام 2023، حيث بلغ عدد المواليد حوالي 1.96 مليون مولود فقط، مقارنة بحوالي 2.04 مليون في العام السابق.
وأضاف غنيم في تصريح خاص لـ"نيوز رووم "، أن معدل المواليد الخام تراجع إلى 18.5 لكل ألف نسمة في 2024، مقابل 19.4 لكل ألف في 2023، فيما انخفض معدل الخصوبة إلى 2.41 طفلًا لكل امرأة، مقابل 2.54 في 2023، مما يعكس تحولاً ديموغرافيًّا واضحًا.
الضغوط الاقتصادية
وأشار غنيم إلى أن هذا التراجع يأتي جزئيًّا نتيجة الضغوط الاقتصادية، فالتضخم المرتفع وتكاليف المعيشة دفعت الأسر إلى تفضيل إنجاب طفل واحد أو اثنين فقط، بدلًا من العائلات الكبيرة — وهو ما ينسجم مع الواقع الاجتماعي الجديد الذي يعيش فيه الشباب .
وأوضح، أن هذا الانخفاض في معدل النمو الطبيعي، والذي تراجع بنسبة 7% في 2024 إلى حوالي 1.359 مليون شخص مقارنة بـ 1.462 مليون في 2023، يعني تغيرًا في هيكل السكان.
وتابع أن لهذه التغيرات تبعات اقتصادية جوهرية؛ فتباطؤ النمو السكاني قد يساعد على تخفيف الضغوط على البنية التحتية، والتعليم، والصحة، لكنه أيضًا قد يصعّب تحقيق “العائد الديموغرافي” المنشود، ما يتطلب تحوّلًا في السياسات لتعظيم إنتاجية الفرد.
الاستثمار في رأس المال البشري
وشدد على أن مصر احتاج موازنة استراتيجية: الاستثمار في رأس المال البشري، وتحفيز النمو الاقتصادي، مع تمكين المرأة والسوق لضمان استدامة الأجيال الجديدة وأدوارهم الإنتاجية المستقبلة.
وأضاف، أن تراجع المواليد مؤشر يجب ألا يُعتبر تهديدًا بل فرصة لإعادة هندسة النمو من خلال تعزيز التعليم، ودعم الشباب وإتاحة الفرص، وصياغة سياسات اقتصادية ديموغرافية ذكية تجعل من كل فرد استثمارًا وليس تكلفة.